رام الله ــ يوسف الشايب


  • حيــن تبــطش الرقــابة بالحكــايات الشعبيّــة في فلســطين


    قضيّة «قول يا طير» تتفاعل داخل فلسطين وخارجها. الكتاب الذي يوثّق للحكاية الشعبية، قرر وزير التربية في حكومة “حماس” سحبه من التداول، وإتلافه بسبب عبارات تخدش الحياء. الضجّة مستمرّة، وردود الفعل تنهال من كل الأوساط الثقافيّة والأكاديميّة

    أثار قرار وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية في حكومة “حماس”، قبل أيّام، بإتلاف كتاب “قول يا طير” من مكتبات مدارس الوزارة، ردودَ فعل غاضبة لدى عدد كبير من المثقفين والسياسيّين في فلسطين. وزير التربية الدكتور ناصر الدين الشاعر ووزير شؤون الأسرى وصفي قبها، برّرا قرار الإتلاف بأنّ الكتاب يشتمل على “عبارات تخدش الحياء العام”. واستشهد الشاعر بعبارات قليلة واردة في الكتاب منها «حطّ القرنبيط على (...) وبدا يوكل (يأكل) فيها». وأضاف إنّ هذا الكتاب ليس كتاباً منهجياً ولم يؤلف لطلبة المدارس، كما إنه كتاب بالعامية... و“نحن ندرّس الطالب الفاعل والمفعول، لا اللغة العامية”. وكان وزير شؤون الأسرى، وصفي قبها، قد وصف بعض الحكايات التي يتضمنها الكتاب، وهي حكايات شعبية فلسطينية، بـ“السافلة”.
    كتاب “قول يا طير” الصادر في ترجمة عربيّة عن “مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة” (2001)، يضم قصصاً باللهجة الفلسطينية العامية، حكتها نساء فلسطينيات على امتداد أجيال وأجيال. قام الدكتور شريف كناعنة الروائي وأستاذ الانثروبولوجيا في جامعة بيرزيت وإبراهيم مهوي أستاذ الأدب العربي بجمع هذه القصص الشعبية في 400 صفحة. وبرّرت وزارة التربية والتعليم هذا القرار بأنّ لجنة تربوية مختصة أوصت بسحب الكتاب، بعد ورود شكاوى من مديري المدارس والمعلّمين، وخصوصاً في قطاع غزة.
    وبعد إتلاف نحو 1500 نسخة، أصدر مثقفون وسياسيّون فلسطينيون بياناً أدانوا فيه هذا الإجراء الذي وصفوه بـ“الخطير”، رافضين توصيف الموروث الشعبي الفلسطيني بـ“البذيء” والعودة إلى “العصور الوسطى” وهيمنة سياسة “كمّ الأفواه”. وأكّد المثقفون أنّ الكتاب يوثّق لنماذج إنسانيّة تشكّل جزءاً من الوعي الجماعي الفلسطيني والموروث الحضاري.
    يرى شريف كناعنة معدّ الكتاب، أن “قول يا طير” دراسة أكاديمية، وما يعتبرونه خادشاً للحياء، تشتمل عليه الأمثلة الشعبية الفلسطينية، والأغاني الفولكلورية، والحكايات الشعبية التي توارثناها عبر الأجداد والجدّات، وبالتالي هي ثقافة شعب، ولا يمكن طمسها بين ليلة وضحاها... بقرار وزاري”.
    ووصف الروائي يحيى يخلف، ووزير الثقافة السابق، هذه الخطوة بـ“المسيئة إلى الثقافة الفلسطينية”، واصفاً الكتاب الذي يتعرض لعملية “إبادة” بالمفخرة للشعب الفلسطيني، وخصوصاً أنّه أحيا الحكايات الشعبية المهددة بالانقراض، ووضعها في إطارها الثقافي والاجتماعي. علاوة على كونه أول دراسة علمية ممنهجة لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تبرز جماليات النصوص الشعبية باللهجة الدارجة، وقراءة دلالاتها وتفسيراتها باعتبارها نصوصاً أدبية، ترتبط بالواقع الاجتماعي. ويؤكّد صاحب “نجران تخت الصفر” “هذا الكتاب الذي صدر بالإنكليزيّة عام 1989، بات واحداً من أهم المراجع العلمية لتدريس التراث الشعبي والفولكلور الفلسطيني في عدد من جامعات العالم”.
    وكان الشاعر محمود درويش قد حذّر، قبل أشهر من الانتخابات التشريعية الفلسطينية، من “بوادر طالبانية” إثر قرار بلدية قلقيلية، ذات الأغلبية “الحمساوية”، بمنع تنظيم مهرجان فولكلوري ثقافي في المدينة، بحجّة أنّ فرقة الدبكة للفنون الشعبية ستكون مختلطة.
    من جهتها، رفضت حنان عشراوي، النائب في المجلس التشريعي، ووزيرة التربية والتعليم السابقة، هذا الإجراء بحق “قول يا طير”. وقالت: “هذا أمر خطير جداً. ما حصل هو ضربة في الصميم للحريات الأكاديمية والحقوق الفكرية. لا يحق لأي طرف سياسي أو ديني أن ينصّب نفسه وصيّاً على الإبداع والفكر والبحث العلمي”.
    الأديب زكريا محمد وصف القرار بـ“الكارثة”، وقال: “لا يحق لأي وزير اتخاذ قرار كهذا في حق تراث شعب بأكمله يعود إلى آلاف السنوات. والكلمات التي يقال إنها تخدش الحياء، هي جزء من السياق اليومي للكثير من الفلسطينيين، وجزء من الثقافة الشعبية. وإذا كان هناك من يرغب في إعادة بناء ثقافة هذا الشعب، فيجب أن يكون ذلك بالتوافق مع الجميع، وبقرار سلطوي. التربية اجتماع وطني فلسطيني، وليست ملكاً لوزير أو فصيل سياسي”.
    ويضيف محمد: “للإنصاف لم تبدأ المشاكل مع الوزير الحالي، بل مع من سبقه. فالدكتور نعيم أبو الحمص، هو الذي مهّد الأرض بروحه المحافظة للقيام بإجراءات كهذه، عبر صبغه المناهج في العديد من المواد كالتاريخ، واللغة العربية، وحتى العلوم والرياضيات، بصبغة دينية”.
    ولا يختلف موقف الروائي صافي صافي عن سابقه، مع أنّه عاش تجربة منع روايته “اليسيرة” ومصادرتها في عام 1997، بحجة تضمّنها “ألفاظاً تمس الحياء” أيضاً. يقول: “هذا استهتار بعقولنا. الثقافة أكبر من أيّ مبدأ سياسي أو فصيل أو وجهة نظر”. وأعرب عن خشيته من تطور المواقف إلى مصادرة الكتب من المكتبات، ومنع تداولها، أو حتى الاعتداء على شبان وفتيات، إذا لم يرتدوا ملابس تتوافق مع أهواء هؤلاء الذين ينتهجون نهج حكومة “طالبان” في أفغانستان.
    أما إياد البرغوثي، مدير مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، فيعقّب على حادثة “اغتيال” كتاب “قول يا طير” في المدارس، بقوله: “من حيث المبدأ، هذا اعتداء على حرية الرأي، وحرية الوصول إلى المعلومات. لا بد من توافر جهة مسؤولة غير مسيّسة تشرف على الجانب المعرفي للطلبة، والفلسطينيين عموماً. ما يجري قد يكون خطوةً باتجاه خطوات أبعد من ذلك، وهنا تكمن الخطورة”.