طوكيو ـــ بيار أبي صعب



  • أشباح الحرب الأهليّة اللبنانيّة في «لعبة» فيديو

    ماذا لو خرج كل شهداء الحرب الأهليّة من ملصقاتهم، وعادوا ليسترجعوا وقائع موتهم المعلن؟ هل كانوا ليموتوا من جديد؟ السؤال يطرحه ربيع مروّة بطريقة مبتكرة، في عمله الجديد «كذبة نيسان» الذي احتضنت طوكيو، أمس، عرضه العالمي الأوّل، في انتظار تقديمه في بيروت...

    إذا كان المسرحي التونسي الفاضل الجعايبي حمل إلى طوكيو عنف “الإرهاب” في “خمسون” (راجع “الأخبار”، عدد ٢١ آذار/ مارس)، وأسئلة التطرّف الإسلامي المطروحة بإلحاح على مجتمعاتنا العربيّة... فإن ربيع مروّة فجّر قنبلة من نوع آخر، ليلة أمس في العاصمة اليابانيّة، مع ارتفاع الستارة عن العرض العالمي الأوّل لعمله الجديد “كم تمنّت نانسي لو أن كلّ ما حدث ليس سوى كذبة نيسان” (مع لينا الصانع، وحاتم إمام وزياد عنتر القادمين من عالم الفنون البصريّة).
    الفنّان اللبناني الشاب الذي يقف على هامش المسرح ـــ أي في قلبه وصميمه! ـــ يحقّق هنا عملاً مفاجئاً (كعادته)، إنما الأكثر إيلاماً وإثارة للجدل على الأرجح، منذ إبحاره عكس تيار المسرح السائد في “أُدخلْ يا سيدي، إنَّنا ننتظرك في الخارج” (مع طوني شكر ـــ ١٩٩٨). لقد أيقظ ربيع هذه المرّة، على طريقته، أشباح الحرب الأهليّة الهائمة في ضمائرنا المخدّرة. أشباح الحرب الرابضة في ذاكرتنا المفقودة. استدعاها في جلسة تحضير أرواح معاصرة ـــ كما “الفنّ المعاصر” ـــ مستدرجاً المشاهد إلى حفلة استرجاعيّة، إلى نوع من العلاج الجماعي إذا شئنا.
    “كذبة نيسان” التي تقدّم في “مهرجان طوكيو العالمي للمسرح”، ثم تعرض في بيروت ضمن فوروم “أشكال ألوان” قبل أن يستضيفها “مهرجان الخريف” الباريسي العريق، طقس مؤلم وصادم، يجعلنا بين حين وآخر نضحك على أنفسنا، نضحك من موتنا، من حروبنا، ونستأذن شهداءنا، على اختلاف مللهم وراياتهم السياسيّة (التي تتبدّل أصلاً مع تطوّر “الأحداث” خلال العرض)، في دخول هذه الرقصة الهاذية التي حصدتهم جميعاً. وأفلتنا منها نحن لسبب أو لآخر. أفلتنا، فقط حتّى إشعار آخر. إنّه طقس شيطاني، معكوس في النهاية: نكتشف أن كل شيء تغيّر. التحالفات، المعارك، الشعارات... القضايا التي ماتوا من أجلها! وحدهم الشهداء الذين يسكنون ملصقاتهم، بقوا كما هم، شهوداً على زمن عبثي مجنون، يهدّد بأن يتكرر إلى ما لا نهاية.
    إنطلاقاً من عمل توثيقي طويل النفس (شاركه فيه فادي توفيق)، يوقظ مروّة في “كذبة نيسان” الحرب الكامنة في كلّ لبناني. يطلب منا إعادة تمثيل الحكاية (الجريمة؟) معه ومع صحبه، مشاركتهم في لعبة افتراضيّة، لا يموت فيها الأبطال. كيف يموت “الشهيد” أصلاً؟ سبق لمروّة أن تطرّق لفكرة الاستشهاد و“الخلود” في الصورة، من خلال عمل مشترك مع الكاتب الياس خوري بعنوان “ثلاثة ملصقات” (٢٠٠٠)، انطلق من فيديو سجّله مناضل شيوعي ترك وصيّته المسجّلة قبل تنفيذ عمليّة استشهاديّة ضدّ إسرائيل، يستهلّه بـ: “أنا الرفيق الشهيد خليل أحمد رحّال”. يومها كتب الباحث والفنان جلال توفيق: “الميت ليس أحداً، كما تُظهر لنا لعبة المرايا في أفلام مصّاصي الدماء: مصّاص الدماء لا يَظْهر في المرآة لأنَّه ميت؛ فضلاً عن ذلك، فإنّ الميت ليس اسماً واحداً بل هو كل أسماء التاريخ، أيْ انَّه، تعميماً، الناسُ كافةً”.
    في مسرحيّة مروّة الجديدة، الميت هو كل اللبنانيين. هو الشاهد على تاريخ صاخب من المفارقات والحروب. يأتي ليروي حكاياته التي لا تصدّق، مع أنها “حقيقيّة”. العمل مستوحى من ملصقات الشهداء التي ازدحمت بها جدران الحرب الأهليّة اللبنانيّة. ينطلق ربيع من مشروع بحث طويل للأكاديميّة والفنانة زينة معاصري، سيصدر في كتاب قريباً، وتقدم مادته الأرشيفيّة في معرض مستقلّ.
    في “كذبة نيسان”، يخرج شهداء الحرب الأهليّة من ملصقاتهم، يجلسون أمامنا على الخشبة. الأول: إسمي حاتم إمام، سكان بيروت ـــ الطريق الجديدة، الأصل من طرابلس. الثاني: أنا ربيع مروة، سكان جبيل، الأصل من الحدت. الثالث: زياد عنتر من الجنوب، كفركلا، قضاء مرجعيون. الرابعة: لينا الصانع، أنا من المزرعة...
    “الممثلون” الأربعة محشورون في كنبة ضيّقة، في مواجهة الجمهور، لا ينظر أحدهم إلى الآخر. دائماً في مواجهة الصالة، يتكلّمون مداورة... مونولوغات تتقاطع عن كلمة أحياناً... أو عند واقعة حربيّة أو لحظة سياسيّة. خلف كل منهم شاشة على قياس ملصق ستعبر عليه مجموعة ملصقات تخلّد استشهاداته المتكررة، وأحياناً تتحرّك الصورة في الملصق فتنبت لحاتم لحية حين ينتقل من “المرابطون” إلى الجهاد في أفغانستان مع جماعة عبد الله عزّام، أو يغرق الدم ملصق زياد الذي انتقل من الحزب الشيوعي إلى “أمل”، أو تضاء صورة أزنافور وداليدا حين يصبح ربيع مرافقاً خاصاً لداني شمعون، ما يعطيه فرصة للقاء المشاهير...
    الشغل الغرافيكي اللافت الذي يعطي للعرض قوّته، يحمل توقيع سمر معكرون (مع غسان حلواني). الجندي يموت، ثم يقوم وتتواصل اللعبة، وهكذا دواليك... كما في ألعاب الفيديو اليابانيّة. الجثث تستعيد ذاكرتها إذاً، تعيش الحكاية الآن وهنا، وتروي. تأخذنا من قصة إلى أخرى، من واقعة حربيّة إلى أخرى في تاريخ حافل بالمعارك والمحطات الدامية... بل تنتقل من معسكر إلى آخر في لعبة موت مسلية ولذيذة، بلا نهاية، بلا قرار. لعبة تبدأ في نيسان (ابريل) ١٩٧٥... وتنتهي (موقتاً؟) عند برج المرّ، يوم مشروع الفتنة المحبط في 25 كانون الثاني (يناير) 2007. ربيع بدأ في “نمور” الوطنيين الأحرار، ثم انتقل إلى “القوات اللبنانيّة” بعد توحيد البندقيّة المسيحيّة، وإذا به مع إيلي حبيقة في حزب “الوعد”... ثم صار مع عون في حرب الإلغاء، فجيش لحد. لينا القوميّة السوريّة التي احتجت على تأسيس “جبهة المسيحيين الوطنيين” في بيروت الغربية، لأنّها علمانيّة، ستقتل وتذبح مراراً قبل أن تنتقل إلى الشرقية وتعمل في صفوف القوات اللبنانية ويقتلها حبيقة مرتين، ويعيّنها سمير جعجع خلال حفلة دعي إليها الشهداء “مسؤولة المالية بالقوات”. حاتم من “المرابطون” إلى فتح وخروج مع المقاومة إلى تونس، وصولاً إلى الحركات الإسلاميّة غير البعيدة عن القاعدة، وزياد من الحزب الشيوعي إلى “حركة أمل” فـ“حزب الله”: “التحقت بالمقاومة الإسلامية وبعدني لليوم بصفوفها، وأكرر ما فيّي خبّر شو صار لأسباب أمنية وما فيّي قول إلا أنه شاركت بكتير من العمليات الناجحة وكنت بكل عملية موت في سبيل الأمة”! ويكرّ أمامنا شريط الحرب بمحطاته المختلفة: حرب الفنادق، الاجتياح الأول، مجزرة إهدن، كامب دايفيد، توحيد البندقيّة المسيحيّة، اجتياح ٨٢ وحصار بيروت، اغتيال بشير الجميّل ومجازر صبرا وشاتيلا، خروج المقاومة الفلسطينيّة، اتفاق ١٧ أيّار، حرب الجبل، انتفاضة ٦ شباط ٨٤، خروج عون إلى باريس، اتفاق الطائف، تحرير الجنوب.... وصولاً إلى اغتيال رفيق الحريري وحرب تمّوز الأخيرة. نسمع عبارات وشعارات قديمة مثل “المشروع الانعزالي”. نتلفّت حولنا، كي نتأكّد من حقيقة اللحظة التي نعيش. أخيراً تلتقي الجثث الأربع عند برج المرّ بعد مشاهدة أحداث المدينة الرياضيّة الأخيرة على التلفزيون، يوم 25 كانون الثاني 2007. الباقي نقرأه على الشاشة، في تقرير الجيش الذي وجد “أربع جثث... وبجانبها خمسة رشاشات حربية”. و“تبيّن أنّ الأسلحة التي صودرت جميعها مرخصة. ولما كانت الارتكابات التي اعترفت بها الجثث مشمولة جميعها بقانون العفو العام، أخلي سبيل الموقوفين الأربعة بسندات إقامة”. ينسحب شهداء العرض المسرحي، ومعهم بورتريهاتهم على الشاشة من الأمام ومن الخلف، وتعبر على الشاشات في صمت مطبق لدقائق طويلة، صور ملصقات حقيقية، لشهداء حقيقيين من الحرب الأهليّة.
    يواصل مروّة في عرضه المذهل “كم تمنّت نانسي لو أن كلّ ما حدث ليس سوى كذبة نيسان”، مشروعاً هو السمة الأساسيّة لجيله: إنّه أركيولوجيا الحرب. عمليّة حفر حقيقية في الذاكرة الجماعيّة الممحوّة، في الأرشيف، في الصورة، بحثاً عن جذور هذا المرض السرطاني الذي يلاحق اللبنانيين كاللعنة. وربّما كان عمله سيزعج كثيرين في بيروت. بل سيزعج الجميع من دون استثناء، لأنّنا جميعاً متوّرطون في هذه اللعبة الدامية. يمدّ العرض مرآةً مكبّرة، يرمي في وجهنا كل القيء المعشّش في الجراح المؤجلة. أجل، كيف يعقل يا ربيع، أن نكون على أبواب حرب أهليّة جديدة؟