كارلا العرية


تعلو صرخة الحرفي الجزّيني مع كل “مسحة” غبار متراكم على أدواته، يسأل محتاراً كيف يمكن إيجاد أسواق لتصريف الصناعة الحرفية التي تشتهر بها مدينة السياحة الجنوبية.
مجموعات من الأدوات المنزلية المطبخية (سكاكين وملاعق وشوك) المطعّمة بالمعادن والأصداف، فضلاً عن الخناجر والسيوف والهدايا الفنّية، يتم توضيبها بشكل أنيق في واجهات المحال، ولكنها تبدو في كل لحظة كأنها “تستنجد” بمن يريحها من إزالة الغبار عنها. وما بين قلّة التصريف وعدم اهتمام الدولة، تواجه الحرفة الجزينية “تهديداً” بالانقراض المرتبط بعدم إقبال الشباب على تعلّم هذه المهنة والحفاظ على استمراريتها وعراقتها. بدأت الصناعة الحرفية عام 1770 وتطوّرت مع مرور الوقت بشكل يتأقلم مع فنون القرن الحادي والعشرين، فنوّع الحرفيون أحجامها وألوانها ومصادرها وزركشتها، فصار الطائر الجميل زينة لمقابض ترمز إلى السلام مصنوعاً من قرن الكبش أو الجاموس أو من العظام الملوّنة والمعادن اللامعة.
يشير رئيس التعاونية الحرفية جوزيف عون إلى أهمّية هذه الحرفة التي شكلت مورد رزق لإحدى عشرة عائلة جزينية، لافتاً إلى الجهود التي بذلها الحرفيون لتطوير جودتها بمسعى من الإيطاليين الذين وفّروا وحدهم من الخارج المواد الأوّلية ذات الجودة العالية وأسسوا التعاونية الحرفية قبل خمس سنوات لتكون مرجعاً أساسياً للحرفيين كافة. ويتحسّر على أيام زمان حيث كانت تعتبر الصناعة الجزينية “مزراب ذهب” تدرّ أرباحاً كثيرة على صانعيها.
ويؤكد “أهمّية تفعيل الدولة للقطاع السياحي في جزين حيث إن نسبة السياح الأجانب قليلة”. ويلفت إلى أن ثمة خطوات تُتّبع حفاظاً على هذه المهنة “بفعل مساعدة الإيطاليين على تطوير الإنتاج من ناحيتيْ تقديم المواد الأولية وتنظيم دورات تدريبية تقنية”. ويتمنى عون “أن تقوم جهات معنية بمساعدة التعاونية الحرفية”، ويؤكد “ضرورة إيلاء عملية التسويق الأهمية الكبرى وذلك من خلال فتح مراكز بيع في بيروت والخارج للأعمال الحرفية المصنعة في جزين”. ورأى عون أن مراكز البيع ستساهم في تصريف “الإنتاجات المجمّدة لدى الحرفيين في البلدة التي قد تتعدّى قيمتها 70 ألف دولار”. يبدي الحرفيون في جزين ــ وخاصة كبار السن بينهم ــ إصراراً كبيراً على المحافظة على حرفتهم وصناعاتهم، ويعرفون أن المشكلة الرئيسية تكمن في غياب مراكز البيع، ولكنهم يلفتون إلى مدى تعلّق اللبنانيين والأجانب بالصناعات الحرفية، وإلى أن لدى آلاف الزبائن رغبة في اقتنائها، وهم إذا سئلوا يدركون أن الوضع الاقتصادي في لبنان يعاني مشاكل كثيرة وينعكس بالتالي على صناعتهم ولكنهم في المقابل قادرون على اقتراح حلول تؤدي إلى تصريف مصنوعاتهم التي يتكدس عليها الغبار وتنتظر من يشتريها. ويقولون إن وزارة السياحة قادرة على تأدية دور كبير في تنشيط السياحة في جزين وتصريف الأعمال الحرفية.
يمضي حرفيو جزين ساعات طويلة يومياً وهم منكبون على إبداع مصنوعات جميلة، إذ يشعرون بأن حرفتهم جزء من هويتهم وبأنها قد تستعيد يوماً ما عاشته في أيام العز، ولكنهم يدركون أيضاً أن هناك مناطق لبنانية مهملة على رغم أنها مواقع سياحية مميزة.