stronog>أمل الأندري


  • سوء تفاهم كبير اسمه الحياة... في زمن العولمة

    تدور أحداث “بابل” في أربعة أماكن مختلفة من العالم، ننتقل بينها برفقة المخرج المكسيكي أليخندرو غونزاليس ايناريتو الذي يأخذنا في رحلة عبر الشروخ الحضارية والاقتصاديّة والثقافيّة للأزمنة الراهنة. بعد الـ“غولدن كلوب”، هل يواصل الفيلم رحلته إلى الأوسكار؟

    يُفتتح فيلم “بابل” على مشهد طفلين فقيرين، يرعيان قطيعاً من الأغنام عبر التلال الجرداء في الجنوب المغربي... وينتهي عند شرفة شقة فخمة في طوكيو، حيث والد يغمر ابنته المراهقة العارية، وأمامهما المدينة الغارقة في الظلام والسكون. الفيلم الذي يعرض حالياً على الشاشات اللبنانية، كلّف 25 مليون دولار، ونال إحدى جوائز “غولدن غلوب” أخيراً، وهو من الأفلام الأوفر حظاً بجائزة الأوسكار، الشهر المقبل. إنّه يشكّل الحلقة الأخيرة من ثلاثية المخرج المكسيكي أليخندرو غونزاليس ايناريتو (1963) بعد فيلميه “قصص حب خائبة” (2000) و“21 غراماً” (2003).
    تبدأ القصة بهفوة يقدم عليها صبيّان من البدو في المغرب، ستجلب مجموعة مصائب عليهما وعلى أسرتهما وبعض مواطنيهما، وعلى ناس موزعين في أربع جهات الأرض. ذلك أن تلك الرصاصة التي يطلقها الصبي الأرعن على حافلة سياح ستصيب ــ كما في لعبة البليار ــ أهدافاً عدّة، وتأخذنا معها في مجراها، في رحلة وحدها السينما قادرة عليها، بين المغرب واليابان والمكسيك والولايات المتحدة، حيث تتشابك الشخصيات، وتتقاطع القصص والأحداث، ونعايش مسارات وجراحاً وأفراداً يتخبطون من أجل الحياة، ونكتشف خلفيات سياسية وطبقيّة وثقافيّة وإنسانيّة...
    ليست هذه التقنية السردية غريبةً عن المخرج المكسيكي. انطلاقاً من حادث سير مثلاً (كما في “قصص حب خائبة”)، أو حماقة صبيانية (كما في “بابل”)، تقع سلسلة من المآسي تطال غرباء من مختلف البلدان والطبقات الاجتماعية، فيجدون أنفسهم فجأة “موحّدين” بالألم الذي يصابون به، وبالجراح التي لم تلتئم في مأساتهم الشخصية. لولا البندقيّة التي قدمها الصياد الياباني ذات يوم إلى مرافقه المغربي الأمين، عربون امتنانه بعد رحلة صيد في المغرب، ثم اشتراها مواطنه وعهد بها إلى ابنيه ليحميا القطيع من الذئاب... لما عشنا مأساة ذاك الياباني الذي ماتت زوجته في ظروف غامضة، والذي يواجه مصاعب في التعامل مع ابنته المراهقة المصابة بالطرش والبكم... ولما شاطرنا مأساة الزوجين الأميركيين اللذين جاءا سائحين إلى المغرب، هرباً من مأساة عائليّة في أميركا. ولما رافقنا مربية ولديهما المكسيكية في رحلتها إلى الجحيم من عرس ابنها حتى طردها من الجنّة (أميركا)... ولما تعرّفنا إلى حياة البؤس والقسوة التي يعيشها هؤلاء المغاربة البسطاء بين شظف العيش وبطش السلطة، والبارانويا الأميركية القائمة على الذعر الدائم من “الإرهاب”!
    خلال قيام الراعيين المغربيين الصغيرين بتجريب مدى رماية البندقية، يصوّب أحدهما إلى حافلة تقلّ سياحاً أجانب. تصبب الطلقة سوزان (كايت بلانشيت) السائحة الأميركية التي قصدت المغرب مع زوجها ريتشارد (براد بيت) في رحلة كان من المفروض أنها بمثابة علاج لعلاقتهما التي تضرّرت بعد موت وليدهما الثالث. هكذا تكرّ سبحة القصص التي يعيش أبطالها في أصقاع مختلفة من الأرض. نكتشف الخيوط التي تربط تلك القصص مع تطور السياق الدرامي للفيلم.
    بينما نتابع التحقيق الذي تجريه الشرطة المغربية للتوصل الى مُطلق النار، وصراع ريتشارد اليائس، في قرية مغربية، من أجل انقاذ زوجته الجريح (يظهر الفيلم التفاوت الاقتصادي المريع بين الشمال والجنوب)، يأخذنا المخرج الى طوكيو، حيث الشرطة اليابانية تبحث عن المالك الأصلي للبندقية الذي هو رجل ياباني يحاول التعافي من مأساته الشخصية. ندخل الى حياة ياسوجيرو (كوجي ياكوشو) الذي يعيش وحيداً مع ابنته الصماء، بعد انتحار زوجته (أو مقتلها؟). نتوغّل في حياة المراهقة اليابانية المتمردة التي تفتقد الى الحب، فتسعى لإقامة علاقات جنسية تنتهي بالفشل الدائم. أما في كاليفورنيا، فنرى الحاضنة المكسيكية لطفلي السائحين الأميركيين، تخاطر بأخذهما معها الى المكسيك لأنها مضطرة لحضور حفلة زفاف ابنها. في طريق العودة من الزفاف مع قريبها سانتياغو (غاييل غارسيا بيرنال)، توقفهما شرطة الحدود وتخضعهما للتفتيش المكثّف. وعندما تكتشف أن سانتياغو ثمل، تأمر بتوقيفه لكنّه يفرّ بالسيارة، ثم يترك الحاضنة مع الطفلين في قلب الصحراء. وعندما تهتدي إليهم الشرطة أخيراً، تكتشف أن أماليا هذه موجودة على الأراضي الأميركيّة بصفة غير شرعيّة (منذ 15 عاماً)، فتُرحّل الى بلادها. يسلّط السينمائي المكسيكي الضوء، هنا، على مأساة مواطنيه الحالمين بالهجرة إلى أميركا... “الجنّة الموعودة”!
    يأخذنا الفيلم بين بلدان أربعة تفصل بينها تباينات وحدود معنوية ونفسيّة هائلة، مبرزاً طرق العيش والتفكير المختلفة (والمتناقضة)، والتفاوتات الاقتصادية والثقافية والسياسية، مازجاً الواقع وتقنية الفلاش باك. كما يظهر قدرةً استثنائية على نقل الانفعالات والأحاسيس الى المُشاهد، بدءاً من حفلة زفاف ابن الحاضنة في المكسيك، حيث مشاعر الحبّ والدفء الإنساني، وصولاً الى شعور الوحدة في مشهد يُظهر المراهقة اليابانية وهي تهيم على وجهها في شوارع طوكيو المزدحمة المليئة بالأضواء، نسمع أنيناً مكتوماً، فيما الدموع تنهمر من عينيها.
    يجسّد“بابل” مأساة الإنسان المعاصر، مأساتنا نحن. ويكشف النقاب عن سوء تفاهم ثقافي عميق ومتجذّر بين الحضارات. فإصابة السائحة الأميركية في المغرب يتحوّل الى “عملية إرهابية” تستهدف السياح الأجانب (!)، ويتصدّر الخبر وسائل الإعلام كلّها من الجنوب المغربي إلى طوكيو. لا يمكن لأحد أن يصدّق أن الموضوع برمته يتعلّق بطفلين من البدو كانا يعبثان ببندقية. وفي المنطق ذاته، تحوّلت الحاضنة المكسيكية الى خاطفة طفلين أميركيين، في حين أن المرأة الخمسينية ربّت هذين الطفلين كولداها، وأصبح لها منزل وانتماء في الولايات المتحدة. في لحظة صارت مجرمةً ودخيلةً في نظر القانون الأميركي. وخلال تيهها في الصحراء مع الطفلين، يسألها الصبي: “لماذا نحن هاربون؟ هل أنت سيئة؟”. فتجيبه: “كلا لستُ سيئة إنما اقترفت حماقةً ليس إلا”. لكن في زمننا هذا، لا مكان للحماقات والهفوات، لأنّها ستتحوّل في الضفة الأخرى الى جريمة عن سبق إصرار وترصّد. كما يضيء الفيلم على أجهزة القمع السائدة في العالم العربي، من خلال تعامل الشرطة المغربية خلال تحقيقها مع المدنيين، إذ توسعهم ضرباً وشتيمةً (في إشارة الى تخلّف العالم العربي وغياب الديموقراطية؟). لكن في النهاية، نرى أنّ الضحايا الحقيقيين في الفيلم (الحاضنة التي رُحّلت، ومقتل أحد الصبيين المغربيين على يد الشرطة) هم الضعفاء، المجرّدين من أي نوع من الأسلحة للدفاع عن أنفسهم.
    هكذا يضعنا فيلم اليخندرو غونزاليس ايناريتو أمام أحكامنا المسبقة، عن الآخرين (في أحد المشاهد، يقول الصبي الأميركي لحاضنته إنّ والدته تقول إن الذهاب الى المكسيك أمر خطير). والأهم من ذلك أنّه يكشف لنا الكذبة الكبيرة التي نعيش فيها. نحن هنا أمام فيلم مزعج حقاً، يجسّد لنا كابوساً من زمن العولمة، حيث التنقّل السهل بين البلدان يخفي في طياته سوء تفاهم كبيراً... وانفتاح الحدود يقابله باب موصد داخلنا.

    يعرض حالياً في صالات سينما أمبير ــ بيروت