مع روايته الأخيرة «التلصّص» التي صدرت كالعادة عن “دار المستقبل العربي”، يتصدّر صنع الله ابراهيم المشهد الأدبي في «معرض القاهرة الدولي للكتاب». الروائي المصري الذي يحتفل بعامه السبعين، يعود في عمله الجديد طفلاً في العاشرة، يتذكر قاهرة الأربعينيات: الحلّة المهيبة لبائع التذاكر في الترام العريق. اسماعيل ياسين في دور السينما الصيفية. صوت ليلى مراد ينبعث من الراديو. برتقال يافا الذي ينقطع عن أسواق القاهرة بعد النكبة. بنات الليل المرعوبات من أنباء إغلاق بيوت البغاء. المسجد القريب “يكتشف” الميكروفون فتمرّ خطبة الجمعة إلى داخل البيوت. الأولاد والبنات في مدارس اليهود يتحركون في مجموعات. الإخوان المسلمون يفجّرون أولى قنابلهم، وشعبية “الوفد” تأخذ في الانحسار.

والد الطفل كأنّه جده، أب عجوز في الستين، يعاني شظف العيش، والطفل غلطة نتجت عن زيجة سرية، الأم الشابة لم تعد موجودة، فينحصر الأب مع ابنه في غرفة مستأجرة ومشتركة. يستحضر الخادمات واحدة وراء الأخرى، آملاً في زيجة جديدة غير مكلفة. ابنته من زوجته الأولى متزوجة، وشقيقها غاضب من شبق الأب. أما الطفل الوحيد، فيمارس “تلصّصه” على الجميع، وإن كان تلصّصاً فيه براءة الطفولة لكن من دون بهجتها.
من خلال عيني الطفل، يعود القارئ إلى ذلك الزمن البعيد القريب، إلى ألفاظ البيك والأفندي والباشا، حيث كل شخصية تحتفظ بملامحها الراسخة. الجزار مزواج وافر الصحة، المحامي وفديّ التوجه، المتسوّل شبه مجنون. وعلى رغم تنوّع الشخوص، إلا أن الخرافة تحكمها جميعاً بنسب متفاوتة. قصص الطالع وفتح المندل والزواج من الجان تنتشر بضراوة بين الجميع، باستثناء طالب شيوعي مغترب يعتقله “البوليس السياسي”.
وقد تشكل الرواية مفاجأة لعشاقه الذين عوّدهم الكاتب على صيغة تقارب بين العملين الروائي والتوثيقي. هنا لا يمكن اعتبار العمل موثقاً لقاهرة الأربعينيات، فالبطل يراقب العالم بعشوائية ونزق الأطفال، بينما يغرق الأب في عالمه الخاص، لا يخيفه إلا أن تتملك جسده الشيخوخة.
يأخذ صنع الله ابراهيم قارئه في رحلة البداية والنهاية، الجسد الطفل المتفتح وجسد الأب الذابل، يستخدم لغة تذكّر ببداياته في “تلك الرائحة”، حيث الجمل قصيرة خاطفة، وسخريته الشهيرة غائبة. أما المخيف، فهو أن الفقر والخرافة والهيمنة الأجنبية وكل ما يحفل به “التلصص” عن قاهرة أربعينيات القرن العشرين، هو ذات ما تواجهه المدينة العريقة في بدايات الألفية الثالثة.