مهى زراقط


تصادف اليوم ذكرى مرور خمسة أعوام على رحيل عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو. المثقف المشاكس الذي انخرط في الصراع الاجتماعي السياسي في فرنسا، ترك بصمات واضحة على مشروع نقد العمل الإعلامي، والتلفزيوني خصوصاً


أن تكون صحافياً وتقرأ كتاب بيار بورديو «عن التلفزيون»، فهذا يعني أنك أدخلت نفسك طوعاً في محاكمة قاسية، وخصوصاً أنك ستشعر مع كل اتهام يطلق عليك، بأنها محاكمة عادلة. 31 طبعة) يختلف عن غيره من كتب بورديو (1930ــــــــ2002)، إذ إنه ليس قائماً على بحث علمي تحليلي بل «وصف فظ»، كما يعبر بورديو، لواقع العمل الصحافي وكواليس التلفزيون وعلاقات الصحافيين بعضهم ببعض، وبمختلف القوى الاجتماعية.
ينتقد بورديو في الكتاب «الحقل الصحافي» من الداخل والخارج: بدءاً من طريقة الحصول على الخبر ومعالجته، مروراًً بالنشرة الإخبارية التلفزيونية التي يصفها بـ«منتج غريب» يناسب الجميع، وصولاً إلى البرامج الحوارية «التمثيلية» التي تستضيف أشخاصاً لا علاقة لهم غالباً بالموضوع المطروح للنقاش، ولا يتساوون في معلوماتهم. «عندما تكتب صحيفة معنية عن كتاب، ستجد صحيفة ثانية نفسها مجبرة على عرض الكتاب ذاته، حتى لو كان سخيفاً. كذلك الأمر لدى الكتابة عن معرض فني أو مسرحية...».
يقدم بيار بورديو هذا المثل البسيط ليبرهن تشابه وسائل الإعلام في مضمونها، على رغم التعددية الظاهرة. هذا التشابه سببه دورة الخبر حول نفسه: ينشر في جريدة، فيتلقفه صحافي في مؤسسة إعلامية ثانية، ويتابعه مضيفاً إليه تفصيلاً صغيراً قد لا تكون له أي أهمية. وهو يفعل ذلك من دون أن يكلّف نفسه عناء البحث عن خبر آخر... ويردّ بورديو هذا السلوك إلى «المنافسة» بين الصحافيين. منافسة تعزز حالة الطوارئ، وتجعلهم يأتون بخبر خاطئ أو يقدمونه بطريقة تسبب ذعراً: «أتمنى أن يسمع الصحافيون ما يقولونه، هم الذين يرمون كلماتهم بكل خفة، من دون أن يكون لديهم أدنى فكرة عن خطورة ما يقولونه، والمسؤوليات التي يجب عليهم تحملها... كلماتهم تثير الخوف والهواجس، وتؤدي في معظم الأحيان إلى تشكيل صور خاطئة عن الحقيقة».
التشابه رغم التعددية، تعزيز حالة الطوارئ وبث الأخبار الخاطئة، ليست إلا نقطة في بحر الانتقادات التي يعرضها بيار بورديو، وهي انتقادات قائمة على ملاحظات تفصيلية ليوميات العمل الصحافي وآلياته. يعرضها معترفاً بأنها تحتاج إلى بحث علمي يثبت ما يخلص إليه: التلفزيون وعدد كبير من الصحافيين، هم “معادون للثقافة”، ويمارسون «عنفاً رمزياً» على المشاهدين.
وهو يرى أن العمل التلفزيوني مبني على السرعة، لذلك ليس هو المكان الأفضل للتفكير. من هنا، يتم اللجوء في المقابلات المتلفزة إلى «مفكرين سريعين» (fast thinkers) يحملون أفكاراً مسبقة عن الموضوع المطروح، «ولا خوف من مشكلة في التلقي، لأن هذه الأفكار المسبقة يعرفها الجمهور الذي يحصل على وجبة FAST FOOD... ثقافية».
ويبني بورديو نظريته على تجربة شخصية استطاع خلالها اكتشاف عمل المقدّم غير المثقف: «شاركت أكثر من مرة في مقابلات، أعدت خلال طرح السؤال على نفسي، حتى أتمكن من مقاربة الموضوع الذي يرغب المذيع في مناقشته. كنت أكرر للمقدم «سؤالك مهم بالتأكيد، لكني أعتقد أنه في هذه الحالة هناك ما هو أهم منه»... وهو يكرّر شكواه من الصحافيين غير المثقفين الذين يذهبون لتغطية خبر معين، فيفاجأون برؤية أشياء غير مفاجئة أو العكس. فهم يسقطون رؤيتهم الخاصة على الحدث، علماً بأن علماء الاجتماع أنفسهم لا يستطيعون ادعاء ما يدعيه هؤلاء: «إن واحدة من أكبر المشاكل التي تعترض علماء الاجتماع، هي تجنبهم السقوط في أحد هذين الوهمين في معرض تحليلهم لظاهرة معينة: القول بأنها الأولى من نوعها، أو إنها تتكرر دائماً». وهذا ما يردده الصحافيون على الدوام «وهنا يكمن خطرهم، فهم غير مثقفين، ولا تعني لهم الظواهر الاجتماعية الحقيقية شيئاً». لكنهم رغم ذلك يمارسون تأثيراً كبيراً وسلطة مطلقة على مختلف الحقول الاجتماعية: السياسية والقضائية والنقابية وأحياناً على من هم أرفع مستوى منهم، وذلك بسبب احتكارهم لآليات إنتاج المعلومة ونشرها أو إضفاء الشرعية على الضيوف الذين يحظون بإطلالة متلفزة.
غير أن الصحافي ليس وحده المسؤول بل «الحقل الصحافي» بكامله. ويرفض بورديو أي محاولة لتحليل سلوك صحافي معين أو وسيلة إعلامية محددة، بعيداً من زملائهما، «لا يمكن أن نفهم ما الذي يحدث في TF1 بمجرد القول إن شركة BOUYGUES هي من يملكها. هذا سبب لكنه ليس وحيداً، يجب أن نأخذ في الاعتبار مجموعة العلاقات الموضوعية التي تؤسس الحقل الصحافي بكامله».
حين انتقد بورديو التلفزيون، كان يتحدث ضمن سلسلة محاضرات متلفزة نظمها آنذاك «كوليج دو فرانس». أي إنه استعمل بدوره شاشة التلفزيون، لكن ضمن شروط تناسبه لجهة اختيار الموضوع، وامتلاك الوقت الكافي لمناقشته. ولأنه بدأ محاضرته بالتأكيد على أن امتلاك المواطن للمعلومة هو الذي يتيح له ممارسة حقوقه الديمقراطية، فقد طالب بمحاربة الـAudimat (نسبة إقبال المشاهدين) الذي يعزز ثقافة الـ“فاست فود”. كما عبّر عن أمله بأن تنشأ، داخل الجسم الصحافي، علاقات بين الصحافيين تساعد في التخفيف من التأثير السلبي للأدوات التي يمتلكونها. وقدّم مثلاً: “في قضية خطف الأطفال (التي يُتّهم فيها المهاجرون غالباً بشكل أوتوماتيكي) يمكننا أن نتخيّل، أو نحلم، أن يتفق الصحافيون على عدم استضافة زعماء سياسيين معروفين بمواقفهم المسبقة ضد الأجانب”.