وضع بورديو كتابه «عن التلفزيون» بعد قصة طويلة، شكّلت مادة إعلامية جدلية لسنوات في فرنسا. وهي بدأت مع الإضرابات التي شهدتها البلاد ضد «خطة جوبيه» للضمان الاجتماعي في كانون الأول (ديسمبر) 1995. يومها، انتقد كثيرون التغطية الإعلامية للإضرابات، بينهم عالم الاجتماع بيار بورديو. استغلّ الإعلامي دانييل شنايدرمان الحادثة ليكرر دعوته لبورديو، من أجل استضافته في برنامجه، ومناقشة قدرة التلفزيون على متابعة التحركات الاجتماعية. وافق بورديو على المشاركة (بعدما اعتذر سابقاً مرات عدة). لكنه سرعان ما شعر بالخديعة، بعدما زجّ به في مقابلة، لم يستطع خلالها إيصال أفكاره، بسبب سلطة المذيع والضيفين الآخرين (الصحافيان جان ماري كافادا وغويوم دوران).

وتضاعف غضب بورديو بعدما استعاد شنايدرمان مقتطفات من الحلقة لاحقاً، محللاً «صمت» بورديو لثوانٍ: «هل يريد القول بذلك إنه يوقف التلفزيون»، أو أراد من خلال هذا الموقف التعبير عن رفضه لأي لقب يصاحب اسمه: «ربما لأن اسمه فيه كلمة «Dieu» (أي الله)!
وما كان من بورديو إلا أن نشر مقالاً في صحيفة «لو موند ديبلوماتيك» تحت عنوان «هل يمكننا أن ننتقد التلفزيون عبر التلفزيون» في نيسان (أبريل) 1996، وردّ عليه شنايدرمان في الشهر الذي تلاه. وهو الشهر نفسه الذي بثّت فيه القناة الفرنسية الأولى محاضرتين، قدمهما بورديو في «كوليج دو فرانس» عن التلفزيون.
لم تنته القصة هنا، فقد ناقش شنايدرمان كتاب بورديو «عن التلفزيون» الذي صدر نهاية عام 1996 في برنامجه، كما أصدر في أيار (مايو) 1999 كتاباً تحت عنوان «الصحافة بعد بورديو». أسّس هذا الجدال إلى نشوء تيار نقدي للإعلام في فرنسا، يصفه بعض الباحثين بالراديكالي. ومن أبرز رموزه: الفيلسوف بيار بوفرس، وعلماء الاجتماع: باتريك شامباني، جيل بالباستر وألان أكاردو، والصحافيان: أغناسيو رامونيه وسيرج هاليمي، وبيار كارل وهنري مالر... وقد أنشأ بعض هؤلاء موقعاً إلكترونياً ينتقد الإعلام. كما أصدر بيار كارل مجلة تحمل «lire pas lu» كنوع من الصحافة البديلة التي تعنى بأخبار غير متداولة في وسائل الإعلام الأكثر انتشاراً.