تونس | «الطلياني» (دار التنوير ـ تونس، بيروت، القاهرة) هي العمل الروائي الأول لشكري المبخوت الذي عرفه الوسط الأدبي في تونس والعالم العربي كباحث أكاديمي متخصص في اللغة والأدب العربي وكعميد لكلية الآداب والفنون والإنسانيات في منوبة ورئيساً لجامعتها أيضاً وهي الخطة التي يشغلها الى اليوم.


هذا العمل الذي اختير ضمن قائمة «بوكر» القصيرة لفت الانتباه الى المبخوت الذي أرّخ في هذه الرواية لمرحلة مفصلية في تاريخ تونس الحديث تمتد على مدى حوالى عشرين عاماً بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات. يقارب بداية الأزمة النقابية والأمنية والسياسية منتصف الثمانينيات بعد ما يعرف بـ «ثورة الخبز» عام ١٩٨٤ التي أسقطت محمد مزالي الوزير الأول ليصعد نجم الجنرال بن علي. أصبح الأخير في ظرف سنوات قليلة رجل تونس القوي الذي أطاح بحكم الزعيم الحبيب بورقيبة وحكم البلاد لمدة ٢٣ سنة، قبل أن تسقطه الاحتجاجات الشعبية. اختار المبخوت توقف أحداث الرواية في منتصف التسعينيات التي تصادف نهاية «الربيع الديمقراطي» الذي وعد به بن علي. منذ سنة ١٩٩٤، انتهت عملياً التجربة الديمقراطية القصيرة التي عرفتها البلاد بين تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٧ و١٩٩٤ بعدما كممت الأفواه وحوصرت الصحافة والحريات وانطلقت حملة اجتثاث الإسلاميين.


يقارب مرحلة مفصلية في
تاريخ تونس الحديث

شكري المبخوت اختار مجموعة من الشخصيات وصاغ حكاية اختلطت فيها السيرة الذاتية بالخيال برسم بورتريهات قريبة من وجوه معروفة في الوسط الإعلامي خاصة. عبد الناصر الملقب بالطلياني، طالب يساري من أسرة متوسطة ذات أصول أندلسية تقيم في المدينة العتيقة. يفتتن بالفلسفة والأدب والسياسة ويكتشف جسده مبكراً مع «للا جنينة» التي تكبره بسنوات. يتعرّض عبد الناصر لعملية اغتصاب في طفولته في الجامع من زوجها «علالة» تترك ندباً في روحه يتذكرها في لحظة عاشقة مع «ريم « الطالبة العذراء فينهار نفسياً.
وبين الحكايتين وبأسلوب سردي يذكرنا بمتعة الحكايات والرواية الكلاسيكية، نكتشف تفاصيل الحياة الثقافية والسياسية والإعلامية في تونس الثمانينيات والتسعينيات، بخاصة حروب فصائل اليسار التونسي والابتزاز العاطفي والجنسي الذي يمارسه بعض أساتذة الجامعة على الطالبات من خلال شخصية «زينة « الطالبة القروية القادمة إلى العاصمة من وسط فقير. نكتشف أيضاً آليات صناعة الخطاب الإعلامي زمن بن علي من خلال شخصية «عبد الحميد» رئيس التحرير.
هذه الرواية التي اكتشفنا فيها المبخوت كحكواتي بارع بعدما عرفناه باحثاً أكاديمياً جاداً تؤرّخ لمرحلة مهمة من تاريخ تونس المعاصر، بخاصة تاريخ اليسار الطلابي كما تطرح بعمق إشكالية الجسد التي تؤرق المخيال العربي والإسلامي.