في روايتها التاسعة «عشّاق نجمة» (دار الآداب)، لا تتخلى الكاتبة الفلسطينية سلوى البنا عن ذلك النبض الدافئ واليقظ، اللاهث إلى مركزية كتابتها عن فلسطين أولاً، ومعاناة الشعب العربي في الأقطار كافة. أبو المجد الفلسطيني العجوز من شخصيات رواية البنّا، كذلك سامي الشاب اللبناني المتمرّد ولؤي الجزائري الأربعيني التائه وغيرهما من الوجوه التي تحتل زنزانة بحجم الوطن. لكل من هؤلاء حكايته الحميمة مع نجمته. لكن نجمة أبو المجد تختزل في النهاية نبضهم، وتمنحهم كلمة السّر للعبور. الكتابة بالنسبة إلى البنّا ليست ترفاً، وإن كانت متعة. الفكرة أولاً، ثم تبلور الملامح حد التجذّر والارتباط. خيوط الحكاية تُنسج من رحم الفكرة، وتتسع وئيداً لتغدو عالماً متكاملاً، غير متسّرع الى خاتمة مرتبكة أو نهاية نافدة الصبر. التأني بعض من أسلوب الكاتبة، كما الإخلاص للفكرة واحترام القارئ. الأولوية عند الكاتبة هي للرسالة التي يجب أن توصلها للقارئ عبر دفعه للتفاعل مع أبطال روايتها والتماهي معهم في الكثير من الصور والأحداث المُستلة بذكاء من واقع حياتهم التي هي حياة أيّ مواطن عربي.


سرد سلس ودافئ، ومحبوك بالقدر الذي لا يشتت القارئ بل يدفعه الى مواجهة ذاته ومجتمعه، متسلحاً بالذاكرة الأمينة على البدايات بعيداً عن المباشرة والخطابة. البنّا تعتبر أنّ ما من رواية حقيقية ما لم تحمل بعضاً من نبضك كقارئ وهمومك كإنسان.
وهي بهذا المعنى تخدم تصنيف أعمالها ونتاجاتها الناحية صوب الأدب الملتزم المهجوس بقضايا ناسه. مع ذلك، نرى في «عشّاق نجمة» رواية مختلفة إلى حد عن روايات البنّا السابقة من حيث عوالمها وحتى أسلوبها. «عشاق نجمة» أكثر رحابة من سابقاتها، ففيها ذلك اللعب المتأتي من خبرة متراكمة على شخصيات كثيرة، ما يستدعي بذل حنكة مهنية أوسع وأشمل.
إلى جانب الشخصيات المُدارة بحذق، نرى ثورة الكاتبة من خلال أصوات أبطالها وغضبهم وقلقهم وخوفهم. كما نرى الطموحات والأحلام التي تكسرت أمام عجز الواقع، فشوّهت الذاكرة والمفاهيم وحرّفت البوصلة وبالتالي أضاعت الطريق. البنّا ترى أنّ المعاناة واحدة في كل الوطن العربي حيث أوطان مكسورة ونازفة، ولا خلاص إلا بتصحيح البوصلة. ما من شك عندها بأن من فلسطين تبدأ الحكاية، وبها وحدها الخلاص.


في «عشّاق نجمة»، سرد محبوك بالقدر الذي لا يشتت القارئ

أربعة أبطال في الرواية يهجسون بالحب والحرّية وقلق الانتظار، والحنين الدائم إلى حلم تفصله عنهم أسوار وجدران. بيد أنّ «نجمة» (ترمز هنا الى فلسطين) هي الحلم وسرّه. في السرد، نلمح ذلك التعمّد الذي شغلتهُ الكاتبة بتلقائية وانسيابية، وهو المزاوجة بين يافا ونابلس. يافا المدينة الجميلة بإرثها الحضاري وانفتاحها على ثقافات العالم، ونابلس الجبلية العريقة المزّنرة بشمخ التاريخ على مداخلها وقمم جبالها. كلتاهما وجه واحد لعشق واحد اسمه نجمة أو فلسطين في رمزية خجلى لا تحتاج الى شرح أو تفصيل.
ترى البنّا أنّ لكل كاتب أسلوبه الذي هو بصمته التي تجعله روائياً حقيقياً. من يُقلّد ليس بالروائي الحقيقي. «أنا من الجيل الذي ترّبى على قراءة الأدب الروسي الذي شكلّ الكثير من ذائقتي الأدبية والثقافية والسياسية.
شخصياتي ليست من الخيال، فهي نماذج موجودة في مشهدنا الراهن وما يجمعها هو القمع والقهر وحالات الاقتتال التي نشهدها، وتدفع الى التطرّف في المواقف أو الاستسلام والتخاذل. التطرّف الديني، والمغالاة الشعورية والعقائدية سبب فوضانا وعلتنا بينما الجذور واحدة والعدو واحد وستلزم توحيد الطاقات والبنادق».
لا بد من أن تقرأ «عشاق نجمة» بعناية وبطء، وتتوقف قليلاً عند أحداث أبطالها المشمولة برعاية السرد المتسامح مع لامنطقها ومعقوليتها معاً كي تدرك نظاماً خفياً هو أساس أسلوب الكاتبة ورغبتها في فرد الشخصيات التي تعجز عن مواجهة الواقع، فلا يبقى لها سوى الرمز تستحضره بشكل مشوّش، فنظام الفكر الرمزي يُكمن وراء سلوكياتهم كأفراد وكجماعة.