القاهرة | أثار تعيين عبد الواحد النبوي عبد الواحد وزيراً للثقافة حفيظة الجميع، حتى كان للخبر وقع صادم على الجماعة الثقافية المصرية، وبالأخصّ من هم داخل المنظومة الثقافية للدولة. لا يعود ذلك إلى أن النبوي ليس من الأسماء المرشحة بقوة لخلافة جابر عصفور، ولا لأنه ليس من الأسماء البارزة داخل الوزارة وهيئاتها، لكن تتابع الأحداث التي جاءت به إلى المنصب هو السبب الأساسي بالنسبة إلى عدد ممن خاضوا معارك داخل المؤسسة مقابل المزيد من الحريات للفن والإبداع والتغيير داخل المؤسسة الثقافية الرسمية للدولة.


عيّن عبد الواحد النبوي في منصب وزير الثقافة عقب نشوب خلاف حاد بين سلفه جابر عصفور ومؤسسة الأزهر. ذلك الخلاف الهادئ جاء بعد أحاديث عصفور المتكررة حول زيادة الرقابة الأخلاقية والدينية على المصنفات الفنيّة والثقافيّة، بعدما تدخلت الحكومة لمنع أحد الأفلام، وحديث الأزهر عن وجوب منع عرض فيلم «نوح» في صالات مصر.
الأمر المفاجئ الذي تبع تلك الحرب الباردة هو إقالة عصفور من منصب وزير الثقافة وتعيين عبد الواحد النبوي خلفاً له. من المعروف عن النبوي خلفيّته الأزهرية وتدريسه في «جامعة الأزهر الشريف»، كأن الأمر يحمل في طيّاته رسالة مباشرة لانحياز حكومة المهندس إبراهيم محلب للمؤسسة الدينية الرسمية في ماراتون الحريّات بينها وبين وزارة عصفور. مع العلم أن هذا الماراتون لم يذهب أبعد من التصريحات المتبادلة فقط.
وفور تسلّمه الوزارة، بدأ النبوي بتفقّد الميزانيّات المختلفة لقطاعاتها وهيئاتها والمشاريع المعطّلة وسط ترقّب صامت من الجميع. هكذا جاءت تصريحات الوزير الجديد في إطار تعديلات الميزانية وتوزيع الدخل وانتقاد عجز جهاز السينما عن استغلال الميزانية المتاحة في إنتاج أعمال متعددة، ووجود فائض في ميزانية الإنتاج.


سخر من بدانة أمينة
«متحف محمود سعيد»
كما أعلن نيّته توجيه أكبر نسبة من الدعم المادي إلى قطاعات الطفل في الوزارة لتكثيف الاهتمام بالتنشئة السليمة بحسب تعبيره. كأنه مسؤول إداري يتحدث ويتحرك ضمن إطار التنسيق المؤسساتي بين الهيئات المختلفة، كبادرة لموظف مجتهد له تاريخ إداري جيد في دار الوثائق القومية. وبعدما بدأ الجميع في العودة إلى مواقعه، متخلّياً عن حالة المراقبة للتعرّف إلى نوايا الوزير الجديد، أهداهم النبوي الإجابة على تساؤلاتهم الداخلية وتطلعاتهم لقراءة عقليّته الغامضة من خلال موقف عابر في زيارته لــ «متحف محمود سعيد» في الإسكندرية. أثناء هذه الزيارة، قابل النبوي أمينة المتحف عزّة عبد المنعم التي شكت له الروتين والمركزيّة في التعامل مع العاملين في الوزارة وقضاياهم، ما يعيق النوايا الحسنة للتقدم والتطور. وماذا كان رد الوزير المعني بالثقافة والرقي والإبداع؟ أشار إليها قائلاً: «وأنا عندي مشكلة مع الموظّفين التُخان». لم يجد الوزير المثقف إلا هذه العبارة المهينة، ليقابل بها جهود الشابة الناجحة والطموحة التي روت له قصة كفاحها مع الوظيفة ونيل الماجستير والوزارة التي قدّرتها بزيادة راتب لا تتجاوز قيمته81 جنيهاً مصرياً في الشهر. رد صادم لم يضاعف سوى المخاوف من شخصية وسياسة الوزير الجديد، خصوصاً أنه لا يظهر افتقاده إلى لباقة الحوار والذوق الاجتماعي العادي فحسب، بل يدل أيضاً على انتهاجه للتصنيف الشكلي للعاملين معه في الوزارة. أزمة التقدير المادي لدرجة علميّة نالتها أمينة المتحف، كانت معالجتها، بالنسبة إليه، بإظهار عدم إعجابه بوزنها وهيئتها. لم يكتف بهذا القدر من «خفة الظل»، بل ضاعف محاولاته لإضحاك الحاضرين، فطلب منها الركض في حديقة المتحف والصعود على السلّم بدلاً من المصعد، لكن جواب عزّة لم يكن سوى أنها راضية عن نفسها تماماً، كما تتمنّى له أن يكون هو الآخر راضياً عن نفسه وهيئته.
لاقت عزّة مساندة واسعة من القطاعات الشبابية بعد تعرضها لذلك الموقف الغريب. لكن ما يبقى واضحاً أمام الجميع أن وزارة الثقافة المصريّة في أزمة حقيقية. الوزارة التي تضم دار الأوبرا وقطاعات الباليه والفن التشكيلي والقطاعات المعنية بالذوق الرفيع، يقودها شخص يعامل المرأة ويصنّف الناس بهذه الطريقة، ويتعامل مع أزمات العاملين كذلك، فهل من الممكن أن تقوم جلسات الصلح بتغيير العقليات؟ هل يمكن لهذه التوجهات أن تقوم الحياة الثقافية في بلاد بحجم مصر ثقافياً وفنياً وحضارياً؟