نور خالد


حدّق جيداً في الشاشة، بعينين مشرعتين على الدهشة والفضول، وأنت تستمع الى المغني اللبناني زين العمر وهو يعبّر عن «نظرته الخاصة الى المرأة». انها باختصار، وكما جاء على لسانه في برنامج «مع حبي» على شاشة «روتانا» قبل أيام: «الفرس التي تستاهل «خيالها»... أقول للبنت أن تقصّر التنورة أكثر فأكثر... البنت التي تفعل ذلك هي بالتأكيد الفرس التي تنتظر خيّالها. لكن عليه أن يكون زلمي... رجّال بحق»!
زين العمر أطلق في الحلقة ألبومه الجديد «ضمّك لقلبي» الذي يضمّ أكثر من أغنية جميلةفي معرض حديثه عن المرأة، شدّ على الجيم في كلمة «رجّال»، ضاماً شفتيه حتى كادتا تخرجان من وجهه. اراد أن يوحي أنه قد يكون من اولئك الرجال «النوادر» و«آخر الفرسان». الرجال الذين تعجّ بهم المنابر اللبنانية، يرفعون أياديهم فتثور الجماهير. قطّب العمر جبينه ثم أرخى فمه، كما يفعل تماماً رجال المنابر.
من جملة ما قاله العمر أيضاً: «لم تروا شيئاً بعد... عليكم أن تأتوا معي الى القرية... هناك بوسعي أن أسمعكم شتائم على لساني... هالقد!». قالها فاتحاً ذراعيه الى أقصاهما، موحياً بضخامة حجم الشتائم التي يكتنزها... «في الضيعة»!
ليس بالتأكيد فناً، وليسوا بالتأكيد أهله. والصورة التي اراد المغني اللبناني أن يوحيها، هي أنه مغنّ «رجّال» في زمن لا يستحق غير تلك العينة من الرجال. في زمن، اعتلى فيه جاد الشويري خشبات المسرح. لكنه بدا، في حديثه، أقرب ما يكون الى اللغة التي تنضح بها الأصوات الآتية من لبنان في هذه الأيام.
انها لغة «الهيجان» وقد غزت شرايين اللبنانيين. وبين الحرب والجنس، هناك دوماً خيط الغريزة «المحمرّ». بدا العمر الذي «لا يستحي من قول الحقيقة»، نسخة طبق الأصل عن ذلك الزعيم الذي يصرخ أمام الحشود... واذا كان اللبنانيون قد اعتادوا منذ زمن، القاموس المتردي لساستهم، فإن تبنّي بعض الفنانين لهذا القاموس يطرح عشرات الأسئلة عن مستوى الذائقة العامة اليوم في بلد بنى مجده سابقاً على رقيّها.
من هنا، قد يقول قائل إن العمر يريد أن يكون ملحم بركات آخر، أو أنه لا يصدم أكثر مما يفعل زياد الرحباني في مقابلاته التلفزيونية... لكن المغني اللبناني أخطأ هذه المرة، فامتلاك الثقافة السياسية والاجتماعية، كما الموسيقية وأدوات الابداع، هي ذريعة تخوّل صاحبها، ربما، أن يدلي بأحكام قيمية وأخلاقية ساخرة بحق الآخر والمحيط وأيضاً بحق ذاته... لكنها لا تعفيه من استعمال الصور والكلمات المناسبة.
قد يكون علينا أن نطلب من مغنّي اليوم، خصوصاً زين العمر وزملائه الذين يحرصون على تقديم فن جيّد يحترم الجمهور وذائقته الفنية، أن يضعوا هذه الذائقة نصب اعينهم في تصريحاتهم التلفزيونية. عليهم أيضاً أن يكثروا من مشاهدة المقابلات المسجلة او الحديثة التي يتحدث فيها وديع الصافي وصباح ونجاح سلام وفيروز ونور الهدى وغيرهم. هؤلاء شاركوا في تأليف جزء من هذه الذائقة ومجد لبنان.