فؤاد جوهر


يبدو رؤوف الرفاعي انفعالياً في لوحاته المعلّقة في “المركز الثقافي الفرنسي” في بيروت. المعرض الذي يستمر حتى 22 من الشهر الحالي، يضم 22 عملاً بمادة الأكريليك، تسيطر على قسم كبير منها الألوان الترابية. كأن هذا الفنان رسم بسرعة، من دون وعي، وفي حالة انفعال، تاركاً لأحاسيسه وانفعالاته أن تنثر مفرداتها اللونية على المساحة البيضاء. هكذا، أهمل الرفاعي الهمّ التأليفي للوحته، كأننا به يريد أن ينتهي من العمل بأي شكل، غير عابئ بالتأمل في بعده الوظيفي والتقنيرؤوف الرفاعي غير عقلاني في إدراكه الحسي اللوني والتأليفي. حين يضع اللـــــــــون الأحمر الى جانب البني مثلاً، لا يترك للعين أن تتآلف مع هذا البعد الكروماتي. الأحمر من ألوان الطيف الشــــــــمسي، والبني من الألوان الترابية غــــــــــير المـــــــــشعة. إنّه يتقهقر على حساب اللون الإشراقي الجميل. تقف حائـــــــراً أمام أعـــــــمال أعاد صياغتها على نسق ســــــــــريع، لا يتآلف أحياناً مع التفاصـــــــيل الذهنية واللونية التي تجعل من اللوحة ألقاً متوهجاً تنفرد بمتعــــــــته العين. ونلاحظ أن الشكل المربع هو الذي يحدد المفهوم الذاتي لمعظم أعماله. وهو يدرك تماماً ما يعنيه هذا الشكل في التراث الفكري الشرقي. المربع يرمز إلى الأرض، والعناصر الأربعة، والسكون.
إن الشكل هنا لا يتآلف مع الاختيار اللوني، بل هو رهن الانفعال. وهذا البعد التشكيلي، لم يوظفه لونياً ضمن معطياته. يدخلك الفنان في متاهات التفتيش عما يريده تشكيلياً. طابع الحزن يغلب على معظم أعماله لونياً، وهو القاسم المشترك للوضع النفسي والروحي العام، كأنما يريد أن يحمّلنا كل إسقاطاته.
لم يتمتّع بعض من أعماله بتوازن تأليفي، ولم تقنعنا طقوسية اللون عنده، ولا المجهود التجريبي للتفتيش عن لون نظيف يتأقلم مع البعد البؤري للعين التي ترتبك وتفتش عن نص بصري مقروء، فلا تجد إلا بعض المفردات التي لا تحلق عالياً في فضاء اللون المشرقي. فهو يفتش عن جمالية تأخذنا إلى مطرح آخر هو “غير مطارحنا”. يؤمن الرفاعي بالتجربة والانفعال اللاإرادي. وهنا فقط قد نجد صدى لتجربته الفنية والتزامه، وصـدقه الداخـلي من دون المساس بها.
هناك ثقافة تقنية ناقصة في تجربة الرفاعي. إشكالية التركيب اللوني المتراكم الذي يخفي أحياناً عدم النظافة، هو أمر متعمد عند الفنان انطلاقاً من رؤياه الإيكولوجية. التلوث موجود بيننا والأحرى بنا أن نحسه لننتبه إليه. ونرى في بعض لوحاته تأثيراً واضحاً لصدى الأكواريل عنده. إذ تتراكم الألوان... لتعطينا إحساساً بالتلوين المائي. لكن لماذا لا نشعر بهذا الإحساس في اللوحة المشغولة بالأكريليك، فنحس بتقنيات المادة من دون الدخول إلى متاهات تقنيات أخرى قد لا نود قراءتها؟