الجزائر ــ إسماعيل طلاي

في كل مرة تشهد الجزائر حدثاً أمنياً تقرع الفضائيات العربية طبول الحرب. لم ينصف الإعلام يوماًً أخبار الفرح كما الدم في هذا البلد، وهو ما بدا واضحاً خلال زيارة زين الدين زيدان لموطنه الأصلي

“النجم العالمي لكرة القدم زين الدين زيدان يزور موطنه الأصلي الجزائر”... “الجماعة السلفية للدعوة والقتال تنفذ عملية إرهابية ضد عمال شركة أميركية للنفط في الجزائر”... في مضمون الخبرين ما يغري الفضائيات لتقديم مادة حية عن الجزائر. لكن بعض وسائل الإعلام لم ترَ على ما يبدو في خبر زيدان ما يثير الاهتمام، بقدر ما “يغريها” خبر الكمين الإرهابي لتصنع منه مادة دسمة قابلة للنقاش و“التهويل”، ودق طبول الحرب على أبواب هذا البلد!
ربما تعمّد الإرهابيون الذين استهدفوا عمال الشركة الأميركية اختيار توقيت مناسب لينفذوا عمليتهم: عشية زيارة النجم العالمي لبلده برفقة جيش من الإعلاميين الجزائريين والأجانب. ربما كان هؤلاء يبحثون عن “تهويل” إعلامي يضرب صدقية الجزائر، ويؤكدون من خلاله أن ألوية الدم ما زالت تنشط فيها. حتى إن إحدى الصحف المحلية انفردت بخبر أكدت فيه أن الإرهابيين وضعوا قنبلة في المكان الذي زاره زيدان في منطقة بومرداس شرق العاصمة، لولا أن فطن لها رجال الأمن وأبطلوا مفعولها.
وعلى رغم أن الإرهابيين فشلوا في مخططهم، ولم يحرموا زيدان من متعة لقاء أهله، وقعت بعض الفضائيات في “فخ” الإرهابيين، حين راحت “تهول” للعملية الإرهابية، ولم تخصص لزيارة زيدان سوى بضع دقائق من هوائها، ومنها من تصدّق على الجزائر بخبر تلفزيوني بلا صورة، كما فعلت “الجزيرة”.
هكذا كان تعامل معظم الفضائيات مع هذا البلد منذ بداية التسعينيات: لم تكن الجزائر سوى مادة دسمة للأخبار الأمنية. وهي لا تزال كذلك، حتى بعد أن انقشعت الغيوم واستتب الأمن تدريجياً، وباتت العمليات الإرهابية نادرة تماماً كما هي الحال في كثير من الدول مثل قطر والسعودية وفرنسا ولندن ولبنان وحتى الولايات المتحدة التي تشهد يومياً عشرات الجرائم.
لكن أخبار الإرهاب في الجزائر تجذب دائماً الفضائيات، لتكرّس صورتها كبلد الموت والدم والدموع، عوض أن تهتم أيضاً للأحداث التي تقدمها في صورة مغايرة مثل تغطية فاعليات مؤتمر رجال الأعمال العرب، أو زيارة وزير دفاع أميركي للجزائر...
ها هي قناة “الجزيرة”، الأكثر انتشاراً بين الفضائيات العربية، تجسّد منطق “الازدواجية” في التعامل مع الخبرين المذكورين أعلاه. وعلى رغم أن القناة ممنوعة من العمل في الجزائر، اقتنى القائمون عليها حقوق بث صورة حية عن مكان وقوع الجريمة، وحاوروا صحافيين محليين، وراحوا يتساءلون: هل بدأت ثمار تحالف القاعدة مع الجماعة السلفية للدعوة والقتال تؤتي ثمارها في الجزائر، بعدما هددت بضرب الأجانب ومصالحهم؟
إلى هنا، قد يبدو تناول الفضائية القطرية موضوعياً ومطابقاً لما تقتضيه ضوابط المهنة وقواعدها. لكن المثير أن القناة عادت لتسرد كرونولوجياً اغتيال الأجانب في الجزائر، من بداية التسعينيات، متسائلة من جديد: هل عادت الجماعة السلفية إلى سالف عهدها؟ في محاولة لإعطاء الخبر زخماً إعلامياً. قد يستحق بعدها أن تفتح استديوهات “الرأي والرأي الآخر” و“الاتجاه المعاكس” أبوابها لمناقشة ما إذا كان الوضع قد عاد لما كان عليه في التسعينيات.
والأمرّ من كل هذا، أن القناة ختمت تقريرها عن العملية الإرهابية بصورة أثارت “حقد” و“سخط” الكثير من الجزائريين: علم بلادهم يدمى، والدم يقطر من الهلال والنجمة، للإيحاء بأن الجزائر لا تزال تنزف دماً وأن العنف فيها لا يزال مستمراً!
قبل سنوات، جنت “الجزيرة” على نفسها حينما بثّت صورة لعلم جزائري ممزق على شطرين، في تقرير عن المفقودين في الجزائر، للدلالة على الانقسام الواقع بين أبناء هذا البلد! وكانت هذه الصورة القشرة التي قصمت ظهر البعير، وبداية نهاية قصة وجود “الجزيرة” في الجزائر.
وهي اليوم لم تكن متوازنة في تناول أخبار الجزائر، ولم تدعم خبر زيارة زيدان بالجهد المهني الذي ميّز تغطيتها الإرهابية. وهي لم تبثّ صوره خلال الزيارة، كما فعلت معظم القنوات الإخبارية والصحف العربية والعالمية، وكما تفعل عادة وسائل الإعلام حينما يزور نجوم السينما والرياضة والفن دولاً عربية ... قد يعود السبب إلى أن زيدان (العربي الأصل) أقلّ أهميةً، في نظر “الجزيرة”، من مايكل جاكسون حينما زار تونس واستقر في البحرين، أو حين غنت ماريا كاري في تونس أو قصدت جنيفير لوبيز دبي... والأمثلة كثيرة عن “التهافت” الإعلامي العربي على أخبار نجوم هوليوود حين يزورون دولاً عربية، ويتحول الخبر إلى “عاجل” أحياناً.
ليلة الحدث، عرض علينا مذيع الأخبار الرياضية في القناة القطرية تقريراً مفصلاً عن الألعاب الآسيوية التي تستضيفها الدوحة (وكان الإعلام المحلي تناولها على رغم أن الجزائر غير معنية بالألعاب). واختتم المذيع تقريره بجملة واحدة قال فيها: “إلى خبر.. آخر حيث وصل نجم كرة القدم العالمي زين الدين زيدان إلى موطنه الجزائر. وبهذا ينتهي تقريرنا الإخباري في هذا الجو البارد جداً”... ربما استعجل المذيع اختتام التقرير لأنه لم يحتمل البرد الشديد!
يبقى أن نتساءل: لو أن زيدان زار قطر أو القاهرة أو أي بلد آخر، هل كان تقرير “الجزيرة” مقتضباً في هذا الشكل؟ ربما كان عـــــــزاء المحطة الإخبارية الوحيد، أن السلطات الجزائرية تتحمل نصيباً من المسؤولية، لأنها حرمتها العمل هناك، وهذا حديث آخر. لكن ماذا كانت ستفعل “الجزيرة” لو أن “زيزو” ــ لا قدّر الله - أصيب بأي مكروه أثناء زيارته؟ هل كانت ستحرم نفسها من الصورة والتقرير المفصل والمـــــحللين الذين يدقون طبول الحرب؟