استخدم ألفريد طرزي وسائط متعددة في أعماله التي شاهدناها في معارض جماعية، إذْ تداخل فيها الرسم مع الفوتوغراف والكولاج الرقمي والتجهيز، لكن تعدد الوسائط أو الممارسات حدث ولا يزال يحدث في منطقة أو موضوع واحد تقريباً، وهو الحرب الأهلية اللبنانية، وكل ما يتصل بها من جزئيات وتفاصيل جعلتها غير منتهية طالما أنها متواصلة بطرق مختلفة في زمن «السلم الأهلي البارد»، وجعلتها أيضاً مادةً جذابة للكتاب والفنانين الذين تدخّلت الحرب في صياغة نبراتهم وغيرت أمزجتهم وأساليبهم أو صنعت انعطافات حادة فيها.


ولعل هذه «الجاذبية» بمعناها السلبي طبعاً، هي التي وفّرت الحرب كمادة لرسامين وفنانين لم يختبروها إلا في طفولتهم غير الواعية أو لم يختبروها على الإطلاق. لكن الواقع تكفّل بتمديد تلك الحرب على شكل حروب أخرى متناسلة وتفجيرات واغتيالات وانقسامات سياسية حادة لا تزال قائمة على متاريس الحرب القديمة. وهكذا، فإن الحرب (الأهلية) مقيمة بيننا حتى بالنسبة لمن لم يعشها. إنها موجودة بأساليب مختلفة، ولا تزال منجماً للمشاريع والأسئلة.
في معرضه الفردي الأول «أرض شاغرة»، يشتغل طرزي على ذاكرة الحرب وسردياتها وتشظياتها المجتمعية والفردية في بلد لم يتعالج نهائياً من الارتكابات التي حدثت فيه. الفنان الشاب الذي تخرج في قسم التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2004، وحضرت بعض أعماله في مناسبات كبرى مثل «آرت دبي» و«آرت أبو ظبي»، إضافة إلى معارض جماعية في بروكسيل وفيينا ولندن، وعضويته في أتيليه «Hapsitus» الذي أسسه الفنان والمنظّر المعماري نديم كرم، لا يقدم في معرضه لوحات تقليدية. نرى سلسلة لوحات متصلة ببعضها، ومثبتة على بكرات يمكن تدويرها يدوياً ومشاهدة عشر لوحات أو أكثر في كل واحدة من هذه السلاسل المنجزة بتقنيات الطباعة، وبألوان قاتمة لا تتجاوز ثنائية الأبيض والأسود أحياناً. إنها ليست لوحات بل مشهديات من الذاكرة والواقع، وإعادة توثيق لتواريخ مثل: مجزرة صبرا وشاتيلا، وصور المفقودين، وملصقات الشهداء، إضافةً إلى خرائط وأمكنة وساحات وأسماء. إلى جانب اللوحات، فرش الفنان الشاب جزءاً من أرضية الغاليري بالحصى والكتل الإسمنتية الصغيرة المثبتة بقضبان حديدية تستعمل في الأبنية. هناك إحالات إلى مكب النورماندي ومنطقة الردم البحري التي نفذتها «سوليدير». هناك سياسة وممارسات تنظيرية وسوسيولوجية داخل الانطباعات التي تنبعث من فكرة المعرض ومحتوياته. التوثيق يحضر مع الذاكرة الشخصية والعامة، وتطفو صور الحرب التي تحولت إلى رضّة وجروح غير قابلة للشفاء. الذاكرة نفسها هي الأرض الفارغة أو الشاغرة في عنوان المعرض، إنها الفجوة أوالهوّة التي سقط فيها المجتمع اللبناني منذ اندلاع الحرب، ولم ينهض منها حتى اليوم.

* «أرض شاغرة» لألفريد طرزي» حتى 23 أيار (مايو) ـــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة) ــ للاستعلام: 01/868290