أمام مصنف ألبوم «إيف سان لوران» (1936 ــ 2008) الاستعادي واستعراضاته، الصادر في باريس هذا العام، استوقفتني عروضه الصادمة في عقد الستينيات، لا باختلافها الحقيقي عن كل مسيرته الفنية الفذة بدءاً من عمله المذهل منتصف الخمسينيات مع كريستيان ديور، وانتهاء بأعماله التي عكست بأناقتها وإثارتها الدور المؤثر الذي أخذت المرأة بأدائه في المجتمع الغربي في عقد الثمانينيات، إنما باختلافها عن كل المصنف الأزيائي العالمي الذي برعت الحضارة الغربية بإنتاجه على نقيض الحضارات الإنسانية برمتها.

وهكذا كنت مأخوذاً ومندهشاً بالكامل أمام مصنف ألبوم إيف سان لوران واستعراضاته الخلابة في الستينات، التي كانت مختلفة اختلافاً كلياً عن كل ما صنعه ببراعته الفذة في كل ما تلاها وما قبلها أيضاً، ذلك لأنه لم يرسم أزياءه عبثاً، إنما كان إيف سان لوران ممثلاً حقيقياً لروح عصره. كانت أزياؤه التي قدمها في الستينيات خارجة من جلسات الشباب في كهوف القنب، وأغاني ليو فيريه وجورج براسانس، ممثلة لحركة الهيبيز حيث ولد الميني جوب، والشعور الطويلة، والملابس الغريبة والإكسسوارات الصادمة التي كرستها الأعمال الموسيقية الاستعراضية، وكانت متوافقة كلياً مع اختفاء سلالة كاملة من المشاهير المتعجرفين والمعزولين: مورياك، آرون، ميرلو بونتي، مارلو، ومتوافقة مع الظهور الصاخب لنزعة جديدة صاعدة مثلها البنيويون التدميريون مثل ميشيل فوكو ورولان بارت، وجيل ديلوز وجاك ديريدا، كانت هذه الأزياء التي استمدت روحها من البوهيميين المتسكعين في شوارع باريس، والملتحين الحالمين بالثورة في أميركا اللاتينية، وبمؤامرات المقاهي، ومتوافقة كلياً مع النزعة التحررية للرواية التي مثلها ألان روب غرييه، والمماحكات الفكرية للجيل الأحدث مثل فيليب سولرز وجولي كريستيفا.

كانت أزياؤه خارجة من جلسات الشباب في كهوف القنب، وأغاني ليو فيريه وجورج براسانس

ومن هنا مكمن الصدمة أو مكمن المفارقة الضدية، من وجهة نظري في أعمال إيف سان لوران الخلاقة، ذلك أن الأزياء هي بنت المجتمعات البرجوازية الصاعدة، وجزء من فخفختها وسعادتها، فكيف يستعير سان لوران من الشارع باترونها ونموذجها؟
لقد ولد سان لوران في مدينة وهران الجزائرية عندما كانت تحت الاستعمار الفرنسي، وهذه المدينة الكولنيالية هي التي ألهمته أزياء السفاري التي اشتهر بها بعد التحاقه بدار كريستيان ديور في باريس في عام 1954، فقد صنع ذلك الوقت نوعاً من الإعجاز الجمالي الكلي، ليس فقط بالتناغم بين الألوان، إنما بالتناسق المذهل بين جسد المرأة والملابس، وجعل التفصيل (الخياطة) قادرة على إنتاج نوع من الرعشة الجمالية لا تقل توهجاً عن الرعشة المكتسبة من الفن. وبعدما أصبح كبير مصممي ديور بعد وفاة كريستيان ولم يتجاوز عمره آنئذ العشرين عاماً، صمم للمرأة زي السموكن الرجالي الذي لم يعد حكراً على الرجال منذ ذلك الوقت. وقد استثمر هذين التصميمين ببراعة فذة فيما بعد، أي بعدما أصبحت له مؤسسته الشهيرة الخاصة. لكن هذه الروح البرجوازية واجهت تحديات ليس من السهل تجاوزها، فعقد الستينيات في أوروبا هو عقد الانبهار بالروحانية الهيلينية والرفض الجماعي للمؤسسة البرجوازية، ورفض الأخلاق التقليدية حتى من قبل أبناء هذه الطبقة الذين التحقوا بالجامعات. وما كان لإيف سان لوران أن ينفلت من هذا الافتتان الخلاب بالصرعات والموديلات التي طرحتها ثورة أيار، المتعة المتفلتة والفوضوية التي لم تروضها السلطة بعد. لقد كان إيف سان لوران متأثراً بهذه الثورة الجسدية التي طرحها الغرب كنوع من الافتتان بالموجود والكائن بديلاً من النزعة الرأسمالية والعقائدية التي أنتجت الحربين الكونيتين. وهكذا صعدت هذه الروح الصاخبة لا من صالات العرض البرجوازية المترفة، إنما من مفرق الأوديون، ومن رصيف مقهى كلوني، ومن تقاطع سان ميشيل وسان جيرمان، صعدت هذه النزعة الخلاقة من مقاهي الحي اللاتيني التي أطلق عليها سيباستيان سالازار بوندي: «معابد الله الأكثر إثارة في الكون». إنه عصر العودة إلى الهيلينية العظيمة التي كبحتها البرجوازية المتقشفة، عصر الطلاب، والفنانين، والمغامرين، والبوهيميين في باريس التي أصبحت مدينة الثورة بلا منازع. المدينة التي سكرت بمغامرة أيار 1968، عندما ملأ شباب باريس الحي اللاتيني بالمتاريس، وأعلنوا وجوب أن نكون واقعيين ونختار المستحيل، عصر اليسار الجديد الذي أطلقه كوهن بينديت بالتناقض مع العقائدية الجامدة للحزب الشيوعي الفرنسي.
لقد أدرك إيف سان لوران أنه أمام عصر جديد، عصر إحياء عارم للأبيقورية الحسية التي وجد فيها بنيامن دوس العالم الأكثر شهوانية في الفصل الغربي، وقد استمرت هذه النزعة طويلاً. فقد طرح عطره الصادم «أوبيوم» (أفيون) في عام 1977، ذلك أن فرنسا، من وجهة نظري، كانت هي الحضارة الغربية مقطرة، فقدست الحياة الحسية، وأفردت فراغاً هائلاً للحياة اليومية، هذا افتراقها عن الغرب، وافتراق الغرب عن كل الحضارات الإنسانية، ذلك أنه وحده الذي طور أستطيقا كاملة عن الأزياء تسللت له عبر الثقافة الهيلينية. في كل الحضارات الإنسانية تقريباً، تتعلق الملابس بالطهرانية، بينما تتعلق الملابس في الغرب بالجنسانية، لا من تقديس العاطفة وحدها، إنما من تدليل الجسد أيضاً، فالملابس تقوم بتنفيذ رائع لإطالة المتعة، إنّ الإخفاء والتستر هو لغرض توهج الشهوة وشبوبها، حيث يتحول الإخفاء إلى لعبة متبادلة يعطي الرجل والمرأة فيها كل طرف نفسه للطرف الآخر.
أجهزت عقلية الفقيه في الحضارة الإسلامية على عقلية الفيلسوف بجعل الجسد شائناً ومرفوضاً

وحدها الثقافة الغربية التي ربطت بين الملابس والأستطيقا (الجمال)، قادرة على إنتاج عقلية إيف سان لوران الخلاقة، بينما تراجعت الحضارات الأخرى كلها بما فيها الحضارة الإسلامية لتربط بين الملابس والإيثيقا (الأخلاق). وكلنا يعرف كيف أجهزت عقلية الفقيه في الحضارة الإسلامية على عقلية الفيلسوف بجعل الجسد شائناً ومرفوضاً، ليصبح الجسد المغطى عند الغزالي بالتقابل مع الجسد الصريح عند ابن الرشد. فقد حدث في الحضارة العربية الإسلامية نوع من المواجهة القاسية بين التراث الهيليني والتقليد الديني، كلما غادر الإسلام عصره الذهبي، أي العصر الوسيط، وإن استطاعت منظومة الفقيه كبح جماح الهيلينية المتسللة، واستطاعت رد الحياة الإسلامية إلى نوع من التقشف القاسي. إلا أن الهيلينية استطاعت التسرب بقوة إلى الحضارة الغربية حتى هيمنت عليها، إنها الجدلية الخلاقة التي أثمرت روح المنطق العاطفي منشبكاً مع المنطق العقلي، حتى المنطق الذي تأسس في الحضارة الإسلامية على المعرفة بالتصورات، وهو جزء من المنطق الاشراقي الذي لا يسلم - بدوره - من تأثير المنطق العقلي، إلا أنه كبح تقديسه للجسد، ولم يبق من الجسد المدلل والممّتع في الحضارة الإسلامية إلا الجسد العليل في منظومات ومدونات الطب العربي الوسيط.
وإن كان هذا الجدال كائناً في ثقافة العصر الوسيط في الغرب، إلا أن تسلل الهيلينية كان حاسماً. لقد عدت الحضارة الغربية الملابس نوعاً من استدراج الرغبة والحب، هذه المعجبة spectacle هذه المشهدية الإعلانية لعارضات الأزياء: نساء جميلات فارعات الطول، ترتسم على وجوههن نظرة جانبية صارمة، بينما يرقب الجمهور هذا التناسق المذهل في انتظار مصعوقٍ، وتبقى العدسات مسمّرات إلى الحركة المنضبطة، حركة الجسد في أقصى رشاقته وتناسقه، لالتقاط اللحظة الدراماتيكية من حكاية إيروس.
لقد توفي إيف سان لوران، الأسطورة الأكثر توهجاً في عالم تصميم الأزياء، بعد مرض طويل عن عمر ناهز السبعين عاماً، وفي كل حياته كان شاعراً بارعاً ومصوراً فناناً، استوحى في تصاميمه الخلاقة الأعمال الخالدة لماتيس، وفان كوخ وغوغان، واستوحى القصائد الأكثر حسية من ديوان رامبو، والأكثر تجريدية من ديوان فاليري، وخلق ببراعة كاملة نوعاً من المواءمة بين توهج الروح وحركة الجسد وبين طبيعة النسيج أو القماش مع الألوان. الا أنّ نفوذ سان لوران في عالم الازياء انحسر أواخر تسعينيات القرن الماضي، كما انخفضت ارباح مشغله مما اضطره الى اغلاقه في عام 2002، فهل نحن أمام صعود انتصاري للأزياء الأميركية، هذا الخليط المشوش بين فن الكيتش والذوق الشعبي، وهي الهيمنة الطاغية التي بشر به آندي وارهول للفن الأكثر ابتذالاً بلا منازع.
*روائي عراقي