strong>فؤاد جوهر


شكّل “الملتقى التشكيلي الأول لمعتقل الخيام” الذي أقيم في أيار 2002، تظاهرةً فريدةً وغنية حملت الكثير من الإبداعات في الرؤى والمقاربات الفنية المختلفة. ولا شك في أن اسرائيل، خلال عدوانها الأخير، تعمّدت تدمير معتقل الخيام الذي حضن هذا الملتقى وغيره من التظاهرات الثقافية، لمحو ذاكرة التعذيب الذي مارسته في أروقته، وخصوصاً أنّ هذا المركز تحوّل مزاراً كبيراً أمّته وجوه بارزة في الفكر الانساني العربي والغربي كانت قد زارت لبنان في تلك الفترة. وإنّ هذا المكان ــ الرمز تحوّل الى محور للتفاعلات الإبداعية والتلاقي الإنساني. ومن ضمن النشاطات الفكرية والثقافية التي احتضنها، كان “الملتقى التشكيلي الأول لمعتقل الخيام” الذي ضمّ أعمالاً اكتنفت دلالات حضارية وإنسانية: منها رموز الفنان الايطالي جيوفاني فرانكو في لوحته “طلوع الفجر”، والفنانة الأردنية هيلدا حياري في لوحتها الكبيرة “زنازين”. ولا يمكن إغفال عمل العراقي عباس كاظم التركيبي المليء بالرمزية في عمله المشهدي “الظل الأسود”. وسريالية الفنان المصري عبد السلام عيد في عمله “انقشاع الغيوم”، والتداعيات العملاقة للفنان الكويتي جعفر دشتي في عمله “رحلة الشهيد” الذي يأخذك الى مناخات الجنوب وفضاء الشهادة، ورموز الفنان السوري علي سليمان في نتوءات أعماله البيضاء رمز الموت (الكفن) ولون الملائكة، وفي لوحة “أسماء الشهداء” للفنان العراقي هيمت محمد علي. لقد كانت معظم الأعمال التي أُنتجت في هذا المعتقل، تصبّ في مفهوم الأسر والحرية والتحرير والمقاومة، وفقاً لتجارب الفناين ومقاربتهم لمفهوم التحرير والمقاومة... ونجح هذا الملتقى التشكيلي الأول (سيمبوزيوم الخيام) في إنتاج حوالى 170 عملاً تشكيلياً لحوالى 55 فناناً عربياً وأجنبياً. إلا أنّ العدوان الهمجي على لبنان طال المعتقل الذي كان يحتوي هذه الأعمال. وعلى رغم أنّ القيمين نجحوا في إنقاذ معظم هذه الأعمال وسحبها من المعتقل تحت القصف، دُمّر ما يقارب 15 عملاً فنياً منها أعمال للفنان الكويتي جعفر دشتي وللفنان القطري يوسف أحمد، إضافة الى أعمال لفنانين لبنانيين ومنحوتات للسوريين أحمد الأحمد ومجيد جمول. لقد كانت هذه التجربة “استثماراً رمزياً لذاكرة المقاومة من جهة وتوسيعاً لدائرة الإبداع الفني” كما نوّه الناقد الفني المغربي الكبير فريد الزاهي. بعد كل هذا، ألا ينبغي إقامة متحف للفن التشكيلي المعاصر، ليضم كل هذه الأعمال المشتتة وإنقاذها من المخاطر المحتملة؟ ربما هو سؤال برسم وزارة الثقافة، هذا إن وجدت... ما بقي من مشهدية ذاكرة الخيام التشكيلية.