فرح داغر


بعد روايته الأولى “بابا سارتر” (2001) التي حازت عدداً من الجوائز، وصولاً الى “الوليمة العارية” (2005)، صدرت رواية العراقي علي بدر “مصابيح أورشليم” (عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”) لتغطي حقبة كبيرة من تاريخ فلسطين والعالم العربي والعالم. بطل الرواية هو المفكر الراحل إدوارد سعيد، فيما الرواية مواجهة مع السائد عن مدينة القدس. الروائي هنا يرى المدينة موطناً لكل المنفيين.
تبدأ الرواية بـ“تقرير أولي” عن أثر إدوارد سعيد في النخبة العراقية في تسعينيات القرن المنصرم، بعدما انقسمت على خلفية السجال الذي وقع بين سعيد والعراقي كنعان مكية الأكاديمي المؤيد للحرب الأميركية على العراق. انقسم المثقفون الشباب في العراق إلى فريقين، الأول يؤيد سعيد والآخر مكية. هكذا، تصوّر “مصابيح أورشليم” شخصيتين: الأولى تتجسد بعلاء خليل المؤيد لمكية والمعجب بالثقافة الغربية... وهو يشعر بالغربة في وطنه. أما الثانية فهي أيمن المقدسي، فلسطيني يدرس في جامعة كولومبيا الأميركية بإشراف إدوارد سعيد، وهو المنفي التائه بعدما طرده اليهودي من أرضه.
يجد أيمن علاجاً لآلام اغترابه من خلال الكتابة عنها. هكذا تصبح الكلمات عالماً، وينسى أيمن المكان المعادي الذي يحيا فيه، ليعيش في مكان آخر غير موجود إلا على الورقة البيضاء. يكتب رواية لا يكملها عن إدوارد سعيد، فـ“اسرائيل نشأت من أسطورة أدبية. بالتالي يجب تكذيبها من طريق الرواية. إدوارد سعيد كان أخطر حرب على اسرائيل”.
أراد الكاتب من ذلك نقض أسس الملكية التي قامت عليها الروايات الإسرائيلية عن القدس. وشيّد الرواية على فكرة إدوارد سعيد الجوهرية عن الكولونيالية. عندما يزور سعيد القدس، يرافقه يائيل وإيستر المؤمنان بدولة اسرائيل، وهما من أبطال روايات إسرائيلية، ويقودانه في المدينة التي غيّرت الكولونيالية معلمها.
من خلال رؤية إدوارد سعيد، نصل إلى سردية فلسطينية عن القدس غير السردية الكولونيالية، سردية تناقض السردية الأولى وتفكّكها. نصل إلى تكذيب الرواية الرسمية الإسرائيلية، ليبدأ سردٌ آخر مختلف: سرد اللاجئين والمطرودين والمنفيين. هكذا، يجد القارئ نفسه ينتقل من مرحلة تاريخية الى أخرى في السياق السردي للقدس تحت الفتح العربي، ثم الصليبي، ثم العثماني، ثم البريطاني، ثم اليهودي. التاريخ سرد متقطع، مختل وغير متسق. أخذ إدوارد سعيد هذه الفكرة عن التاريخ، من الفيلسوف هايدن وايت الذي رأى أن التاريخ اختراع يُسرد، ليتوافق مع مصالح جماعات محددة. الجزء الثالث من الرواية بعنوان “تخطيطات وأفكار ويوميات إنسكلوبيدية للكتابة” يتضمن وثائق عن المسلمين والمسيحيين واليهود، تركها لنا أيمن مقدسي بعد اختفائه المفاجئ في بغداد عقب الاحتـلال إلا أنها تنطوي على معلومات ووثائق مهمة لا نعرف من أين حصل عليها الكاتب.