الرباط ــياسين عدنان


محمد عابد الجابري يثير النقاش من جديد. لم يكد ينشر نصّاً من كتابه «في التعريف بالقرآن»، حتّى بدأت حملات التكفير. لكن المفكّر المغربي الذي تكرّمه اليونسكو غداً في «اليوم العالمي للفلسفة»، اختار الصمت هذه المرّة. هل وقع الجابري في قبضة الفقهاء؟

لم يملّ الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري من السجال مع مفكّري المغرب والمشرق، بدءاً من عبد الله العروي وطه عبد الرحمان وانتهاء بحسن حنفي وجورج طرابيشي. لكنّه اليوم يجد نفسه في قلب عاصفة لم يحسب لها حساباً، ذلك أن النيران مفتوحة عليه من أكثر من جبهة. هناك أولاً أصوات الاحتجاج التي علت في المغرب، بعد إعلان اليونسكو تكريم المفكر المغربي إلى جانب الفيلسوفة الألمانية حنّة أرندت ضمن فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة التي ستحتضنها مدينة ابن رشد (مراكش) غداً وتستمر حتى 17 من الشهر الحالي. وجاء الاحتجاج ليجهض فرحة عديدين اعتبروا المبادرة إعادة اعتبار إلى العقل وانتصاراً للفكر النقدي، وخصوصاً في ظل الحملة التي شنت ضد صاحب “نحن والتراث” في بعض الصحف المصرية.
لم تدم فرحة أصدقاء الجابري طويلاً. فوجئوا بارتفاع الأصوات المحتجة على تكريمه. ولم تكن هذه الأصوات من جهات أصولية متطرفة، كما قد نتخيل بل جاءت من حيث لم يحسب أحد: جمعيات أمازيغية مغربية، ومنظمات دولية تساند الحقوق الثقافية واللغوية للأمازيغ بعثت برسالة شديدة اللهجة إلى اليونسكو تحتج فيها على تكريم الجابري. وفيما برّرت اليونسكو تكريمها بأنّ الجابري “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”، اعتبرته الجهات الأمازيغية في رسالتها “أحد المنظّرين الأساسيين لإبادة اللغة والثقافة الأمازيغية”. ولتأكيد هذا الاتهام، أحالت على كتاب الجابري القديم “أضواء على مشكل التعليم في المغرب” الصادر عام 1974. وبينما اتهمت الرسالة الجابري بـ“الترويج المبالغ فيه للإيديولوجيا العُروبية حتى أضحى من المدافعين المتشددين عن الأنظمة العربية العنصرية الدموية”، اعتبرت تكريم اليونسكو له “خيانة للقيم الإنسانية”.
بالطبع، يحقّ للجمعيات الأمازيغية أن تعلن مواقفها بالطريقة التي تناسبها، لكن هل كان من الضروري خلط الأوراق إلى هذا الحد في عيد عالمي للفلسفة؟ ثم لماذا نسيت الاشارة في رسالتها ولو في شكل هامشي إلى أن هذا المفكر المتهم بالتنظير لـ“إبادة” الأمازيغية هو أمازيغي أصلاً. إلا أنّ السؤال الأهم هو: ألا يصب أي هجوم يُشنّ على الجابري في هذه اللحظة بالذات في مصلحة أعداء التحديث والمقاربة العلمية للتراث الذين يقودون حملة شعواء على صاحب “العصبية والدولة” هذه الأيام؟ وهنا تكمن المعركة الحقيقية. فخصومة الفقهاء ليست كخصومة رجال الفكر والعاملين في الحقل الفلسفي.
بدأت هذه المعركة عندما نشر الجابري في صحيفة “الاتحاد” الإماراتية في رمضان الماضي مقالة بعنوان “ما قيل إنه رُفع أو سقط من القرآن”. وهي المقالة التي ساق فيها الباحث المغربي بعض الآيات القرآنية التي أوردت المصادر السنية أنها “قد تكون سقطت” ولم تُدرج في نص المصحف. والمعروف طبعاً أن مسألة الزيادة والنقصان في القرآن قديمة تحدث عنها الكثير من المصادر السنية والشيعية. كانت مقاربة الجابري للموضوع مجرد مقالة مجتزأة من كتابه الجديد الضخم “في التعريف بالقرآن”.
ولعل الجابري كان منذ البداية على وعي بصعوبة مجادلة الفقهاء. لذا افتتح كتابه بالتأكيد أنه سيضع كل التعاريف الفقهية للمصحف بين قوسين، وسينطلق من التعاريف التي وردت عن القرآن الكريم في القرآن عينه. وأضاف الجابري الذي يعكف منذ أكثر من ربع قرن على جعل “التراث معاصراً لنفسه، ومعاصراً لنا في الوقت عينه”، “أننا لا نعتبر القرآن جزءاً من التراث. وهذا شيء نؤكده هنا من جديد. لكن في الوقت نفسه نؤكد أن جميع أنواع الفهم التي شيَّدها علماء المسلمين لأنفسهم حول القرآن، كلها تراث، لأنها تنتمي إلى ما هو بشري”.
من مصر إلى الخليج
لكن على رغم كل هذه التوضيحات التي ساقها الجابري في كتابه، وعلى رغم لغته العلمية الرصينة، أحدثت مقالته ضجة عمياء في مصر خصوصاً، وفي بعض دول الخليج. صحيفة “المصري اليوم” لم تتردد في اعتبار ما كتبه تهجّماً على الإسلام، قبل أن تضيف أن “القرآن الكريم سيظل محفوظاً على رغم أنف الجابري وكل حاقد على الإسلام”.
أما “الجمهورية” التي اعتبرت ما كتبه الجابري أخطر من محاضرة بابا الفاتيكان، فقد نشرت رسالة مفتوحة لأحد كتّابها يُدعى محمد علي إبراهيم بعثها إلى شيخ الأزهر. وهي رسالة طريفة يبدو أن كاتبها قد نجح في وضع “تجديف” الجابري في سياقه “الصحيح”: “إن ما أثاره عابد الجابري ليس بجديد. فقد سبق أن أثاره اليهود في ما عُرف بقضية الناسخ والمنسوخ”. ويضيف محمد علي إبراهيم بكلّ ثقة: “إن الكثير من جامعات شمال إفريقيا، وبالذات في المغرب، ارتكزت في بدايات تأسيسها على الإسرائيليات. وهذه المنطقة من عالمنا العربي هي أكثر المناطق اختلاطاً بأوروبا وأبناؤها أكثر الأجانب المقيمين في فرنسا وإسبانيا”.
محمد المختار المهدي الأستاذ في جامعة الأزهر ورئيس الجمعية الشرعية في مصر، اكتفى في رده على الجابري بالتأكيد أن “المصحف الذي بين أيدينا منزّه من أي نقص أو زيادة أو تحريف”، وأن “جبريل راجعه مع الرسول في رمضان الأخير من حياته مرتين بحضور زيد بن ثابت”.
مشكلة الجابري أنه لم يتصدَّ للدفاع عن نفسه هذه المرة. الرجل الذي اشتهر بسجالاته القوية مع مفكري المشرق والمغرب فضَّل هنا الاعتصام بالصمت. بعض المقربين من صاحب “الخطاب العربي المعاصر” أكدوا لـ“الأخبار” أن صمت الجابري لم يكن عن تخاذل، لكن الرجل بكل بساطة لا يريد التورط في متاهات لا جدوى منها. الأمر لا يتعلّق بمقال معزول، إنما بمشروع ضخم يريد له صاحبه أن يكون واحداً من أعمق الدراسات الحديثة حول النص القرآني.
كتاب “في التعريف بالقرآن” الذي اجــــــــتُزئت منه المــــــــــــقالة ليس سوى الجزء الأول من مشروعه الجديد “مدخل إلى القرآن الكريم” وهو العمل الذي يريد له الجابري أن يضاهي مشروعه الفكري السابق “نقد العقل العربي” الذي أصدره في أربعة أجزاء كاملة، وأثار نقاشات مهمة في الساحة الفكرية العربية مشرقاً ومغرباً. فهل سيحظى مشروع الجابري الجديد بالنقاش العميق نفسه الذي حظيت به مشاريعه السابقة؟ أم أن الضجة الحالية ستتواصل لتُقارب هذا المجهود الفكري الجبار بمنطق الأحكام المتسرعة والاتهامات العمياء والتخريجات الطريفة، من مثل ما أتحفنا به بعض الصحافة المشرقيّة في الأيام الأخيرة؟