لا يمكن لجهاز الاستخبارات العامة في رام الله أن يتنكّر لفيديو قصير يوثّق تعامل عناصره الخشن مع المصوّر الصحافي المعتقل محمد عوض. دقيقة واحدة كانت كفيلة بتعرية القبح الذي يكتنف هؤلاء الذين دفعوا بعوض إلى إحدى مركباتهم بعنف ملحوظ. أربعة عناصر بلباس مدني أحاطوا بعوض أثناء عودته إلى مقرّ عمله في تلفزيون «وطن» المحلي، وجذبوه من «كنزته» بفظاظة قبل اعتقاله.


هذا المقطع بدا كـ«الهدية» التي أسقطها جهاز الاستخبارات على رأس المصوّر الصحافي لمناسبة «اليوم العالمي لحرية الصحافة» الذي صادف في الثالث من أيّار (مايو).
كالعادة، يبدو خيال الأجهزة الأمنية خصباً في تلفيق التهم للمختلفين معها، غير أنّ خيالها هذه المرّة حطّم المقاييس، بعدما قالت إن «عوض يُعتبر قناة ماليّة لحركة حماس عن طريق أحد أقاربه في إيطاليا». هذا «الفيلم الهندي» الذي لا ينطلي على أحد استمدّ حبكته غير المشغولة ببراعة، من واقع عداء السلطة لكلّ من هو حمساوي.
رغم أنّ خلفية اعتقال عوض تأتي في سياق «حرية الرأي والتعبير»، غير أنّ تلك التهمة نجحت في نسف الأدبيّات الوطنيّة التي تتغنّى السلطة بأنّها لم تحِد عنها. إذ امتثلت أجهزتها الأمنية قولاً وفعلاً، لسياسة الاحتلال في اعتبار الحركة «محظورة إرهابياً». هذا المنطق الاستلابي لحريّة الرأي والتعبير، دفع بعوض الموقوف في سجون السلطة منذ الثلاثاء الماضي إلى إعلان إضرابه عن الطعام، بعدما مدّدت محكمة الصلح في رام الله توقيفه لأسبوعين على ذمّة التحقيق.


أوقف الصحافي بتهمة تحويل أموال إلى حركة «حماس»

لكن الرجل لم يخضع لأيّ تحقيق ولم يدلِ بأيّ معلومات، وفق شهادة شقيقه أحمد عوض. ولم تخفِ عائلة الصحافي خوفها من تعرّض ابنها لتعذيب شديد في أقبية سجون السلطة، خصوصاً أنّ الأخيرة سبق أن اعتقلته عامي 2008 و2012 لفترة تجاوزت 13 شهراً، تعرّض خلالها لتعذيب قاسٍ.
وكان الناطق باسم الأجهزة الأمنية عدنان الضميري قد خرج علينا في مؤتمر صحافي قبل أيّام، منتشياً بنفوذه وشاهراً سيفه في وجه عوض، زاعماً أنّ «قريبه في إيطاليا حوّل له مبلغ 39 ألف دولار أميركي خلال الشهر الماضي، بغية إيصاله إلى حماس». كما استعرض الضميري محطات اعتقال عوض في سجون السلطة، مصوّراً إيّاها «تاريخاً أسودَ» للصحافي بحقّ السلطة، وسارداً التهم التي وجّهت له مسبقاً، منها «دعم الانقلاب في غزّة ضد السلطة» عام 2008، و«امتلاك سلاح» عام 2012. «تقولولناش صحافي، ما اعتقلناهوش لأنّو صحافي»، بهذه اللغة السوقيّة، سوّغ الضميري اعتقال عوض الذي كان قد تلقّى اتصالاً قبل 24 ساعة من اعتقاله من شخص ادّعى أنّه موظّف في مصلحة المياه، ليتبيّن في ما بعد أنه ضابط في جهاز الاستخبارات يودّ استدعاءه للمقابلة في مقرّ الجهاز. في المقابل، لم يقف قريب الصحافي في إيطاليا محمد حنون متفرّجاً إزاء اتهامات الضميري التي طاولته، إذ قال: «أتحدّى الضميري أن يثبت أنني أرسلت أو حوّلت إلى ابن أختي أيّ مبالغ. وليست لديّ أيّ اتصالات من أيّ نوع مع حماس التي تعد وفق القانون الإيطالي الذي نلتزم به تنظيماً إرهابياً». وأكد حنون أنّ «وثائقه ومستنداته كشخص ومؤسسة، التي يقدمّها دورياً للحكومة الإيطالية، تظهر أنّنا نتعامل فقط مع مؤسسات إنسانية، ولا يمكن أن نتعامل مع تنظيمات أيّاً كانت». بدورها، خرجت «نقابة الصحافيين الفلسطينيين» عن صمتها المعتاد، ونظّمت احتجاجاً في رام الله الأسبوع الماضي مندّدة بالاعتقال التعسفي بحقّ الصحافيين في غزّة والضفة الغربية. واعتبر النقيب عبد الناصر النجّار أنّ «اعتقال عوض جرى على خلفية حرية الرأي والتعبير، ما لم يثبت القضاء عكس ذلك».