هرج ومرج رافق زيارة سلمى حايك للبنان للتسويق لفيلم التحريك «النبي» (إنتاجها وبطولتها) عن كتاب جبران خليل جبران، من دون التطرق إلى العمل الفني، رغم أنّه لبّ المسألة. الممثلة المكسيكية اللبنانية فطنت بذكائها لأزمة الأنا المتضخمة عند الجمهور اللبناني، فقدمت له عرضاً كوميدياً يناسب توقعاته، كما حين أعلنت أنها أكلت الكبة قبل «التاكوس»، ولو أن طرافتها وتواضعها الشخصي لا يتناسبان فعلياً مع «الهوية» اللبنانية ونظرية الكائن اللبناني المتفوق «المتوارثة» عندنا! بالعودة إلى الشريط، من الصعب تخيّل «نبي» جبران سينمائياً فضلاً عن تحويله إلى قصة للأطفال.


تقريباً، لا أحداث مادية أو ملموسة يسردها الكتاب، باستثناء مسيرة المصطفى إلى القارب الذي ينتظره وتتخللها وصاياه إلى أهل مدينة أورفليس الافتراضية التي يودّعها. لكن روجر آلرز الذي سبق أن أخرج «الأسد الملك» (1994) وكتب سيناريو «النبي»، يستحدث قصة الطفلة الخرساء والمتمردة ألميترا التي توقفت عن الكلام منذ موت أبيها وأمها كاميلا (سلمى حايك). وإذا كانت السفينة التي تأتي لاصطحاب «المصطفى» في «النبي» هي رمز الموت أو العبور إلى العالم الآخر، فالفيلم يبتعد عن الرمزية ويتخذ منحى أكثر واقعية في تصويره للأحداث، مستوحياً من الثورات التي اجتاحت العالم العربي. يجعل من المصطفى سجيناً سياسياً في أورفليس التي يرأسها حاكم ديكتاتوري ويأتي قائد الشرطة ليعلن قرار الإفراج عنه، وترحيله إلى موطنه على متن السفينة التي تنتظره. لكنها حرية مشروطة كما نكتشف لاحقاً، إذ عليه أن يتبرّأ من كل أفكاره، وكل ما لقّنه لأهل أورفليس مقابل الحصول عليها أو يواجه الإعدام. وحين يثور سكان أورفليس مطالبين بإطلاق سراح مصطفى، يهدّئهم بكلماته، فتقمع الثورة مقابل الحفاظ على السلام.


تجسيد بصري حرفي لبعض المقاطع الأدبية
هذه الإضافات الأكثر واقعية تخرج «النبي» من عالم جبران الأكثر تجريدية أو روحانية، وتقربه إلى المشاهد. وما يساعد على جعلها منطقية أو مقبولة هو هامش الحرية الذي يوفره كتاب «النبي» الذي يدور في اللامكان واللازمان، وشخصيات سكان أورفليس المرسومة باستفاضة كما في الكتاب، بحيث يمكن للمخيلة ملء الفراغات بما يناسبها. في هذا الإطار، علينا أن نتخيل سلمى حايك كواحدة من سكان أورفليس في شخصية كاميلا والدة ألميترا. امرأة سمراء جذابة تشبه حايك في ملامحها، وبالطبع نتعرف إليها فوراً من لهجتها اللاتينية في نطق الإنكليزية. شخصية الأرملة كاميلا التي تعتاش من تنظيف البيوت، مستوحاة من كاملة رحمة أم جبران التي هاجرت مع أبنائها الأربعة إلى أميركا عام ١٨٩٥ وعملت في غسل الثياب لإعالتهم. حايك مقنعة في أدائها، غير أنها تشبه نفسها كما في معظم أدوارها، بخلاف أدائها شخصية فريدا كالو في فيلم «فريدا» الشهير الذي أخرجها من صورتها النمطية. كذلك، يتميز ليام نيسون في أدائه لشخصية مصطفى، وكذلك كوفينزانيه واليس في دور ألميترا حيث التفاعل بينهما هو نبض الشريط. أما مقاطع التحريك التي تصوّر قصائد أو أقوال المصطفى التي تناوب على إخراجها عدد من فناني التحريك حول العالم كبول وغايتن بريزي، ومحمد سعيد حارب، وطوم مور، فتفاوتت في مستواها ومقاربتها الفنية. يعتمد بعضها الأقل ابتكاراً على تجسيد حرفي للمقاطع الأدبية. لعل المقطع الأول هو الأجمل، حين يتحدث المصطفى عن مفهوم الحرية. أما القصائد المغناة، فلا تتفق بطابعها التجاري مع الشريط الموسيقي (غابريال يارد) للفيلم، ولو أنّها بإيقاعها التبسيطي قد تجعل النصوص أقرب إلى الطفل. أما الفيلم ككل، الذي أشرف على إخراجه روجر ألرز، فيتّسم بإيقاعه الطريف الذي يقترب من العالم الطفولي، لكنه أيضاً لا يخلو من شاعرية في أسلوب التصوير، ما يمنحه هوية متفردة، إذ نجح في تبسيط المفاهيم للطفل من دون استغبائه.

* «النبي»: صالات «غراند سينما» (01/209109) وأمبير (1269)