الرباط ــ ياسين عدنان


مثلما جاء إقرار يوم عالمي للشعر من طرف اليونسكو استجابةً لطلب تقدم به “بيت الشعر” في المغرب، فإن جمعية صغيرة في فاس تُدعى “أصدقاء الفلســــفة” هي التي كانت وراء إقرار يوم عالمي للفلسـفة. عندما قرر المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثالثة والثلاثين عام 2002 اعتماد موعد 16 تشرين الثاني (نوفمبر) يوماً عالمياً للفلسفة والاحتفال به ســـــنوياً، فإن ذلك جاء استجابة لرسالة بعث بها مكتب هذه الجمعية الصغيرة التي تضم عدداً من الشباب الذين يطلقون عليهم في المغرب لقب “الفلاسفة الجدد”.
لذا، كان من الطبيعي أن تختار اليونسكو المغرب كأول بلد عربي يحتضن احتفاليتها الرسمية بعيد الفلسفة العالمي. لكن مع الأسف، تدخّل الكثير من الحسابات غير الفلسفية لتجعل هذا العرس ينطلق متعثراً وينتهي قبل الموعد.
بدأ الارتباك بقرار مفاجئ اتُّخذ في اللحظة الأخيرة ومن دون أي مبررات. وقضى هذا القرار بنقل فعاليات الاحتفالية من مراكش، مدينة ابن رشد، إلى مدينة “الصخيرات” الصغيرة المجاورة للرباط. وهذا ما استنكره بشدة عضو اللجنة العلمية للاحتفالية وباحث الرشديات الدكتور محمد المصباحي الذي لم يستسغ كيف كانوا يعملون على تنظيم “عرس فلسفي تحضره جميع الأطراف والجهات، لكنه هُرِّب في آخر لحظة إلى قاعات مكيّفة بعيدة عن الجمهور والمجتمع”.
لكن تهريب التـــــــظاهرة بهذه الطريقة المباغتة لم يكن سوى البداية فقط. ذاك أن مفـــــــــاجآت أخرى ستتوالى بشكل يجعل اليـــــــونسكو تقرر تقليص أيام الاحتفــــــــــــــالية من أربعة الى ثــــــلاثة. وأقوى الهزّات كان يوم الافتـــــــتاح، عندما اختار الفـــــــيلسوف عبد الله العروي التغيّب. فهو الذي كان مبرمجاً لـــــــــيُلقي محاضرة الجلسة الافـــــــــتتاحية. ويبدو أن العروي لم يكن يعلم أنّ محمد عابد الجابري سيقلّد في هذه الاحتفالية “ميدالية ابن سينا”، عندما وافق على المشاركة فيها. وطبعاً سيكون صعباً على العروي افتتاح فعالـــــــــــــية فكرية تهدف بالأساس إلى تكريم غريمه التقليدي. غائب آخر جعل العرس يفقد بعض دلالته، كان المفكر علي أومليل المرشح الأبرز لتبوؤ كـــــــــرسي الفلسفة الذي كان من المفــــــــترض الإعلان عن إنشائه في ذلك اليوم “الفلسفي”. لكن يبدو أن هناك من كانت لـــــــــه اقتراحات أخرى دافع عــــــــنها باســـــــــتماتة، ما جعل أوملــــــــــيل يؤثر البقـــــــاء في بيروت لمتابعة تجاذُبــــــــاتها السياسية الساخنة بدل المجيء إلى المغــــــــــرب للمشاركة في حرب الملل والنحل الفلسفية المؤسفة التي شهدتها احتفالية اليونسكو.
مع ذلك، فقد انتهى الحفل بتكريم الجابري وتــــــقــــليده ميدالية ابن سينا. ولم تنفذ الجمعيات الأمازيغية تهديدها بالاعــــــــــتصام لمنع هذا التكريم. إذ رأت الجابري “أحد المنظّرين الأساسيين لإبادة اللغة والثقافة الأمازيغية” في رسالة بعثتها إلى اليونسكو وعدّت تكريمه “خيانة للقيم الإنسانية”. فيما أصدر المفكّرون والفلاسفة المشاركون الذين مثّلوا 40 دولة في ختام الاحتفالية وثيقةً أطلقوا عليها اسم “إعلان الرباط” أكدوا فيها على ضرورة إعادة الفلسفة إلى المدينة وإلى دائرة المَعيش اليومي.
لا شك في أن هذه الدعوة ضايقت قليلاً المنظّمين المغاربة الذين كانوا في “تهريبهم” لهذه التظاهرة العالمية من مراكش إلى الصخيرات بعيدين تماماً عن تمثُّل روح “إعلان الرباط”.