مهى زراقط


“كل واحد مسيحي بينزل بكرا بيكون عم يحفر مقبرة لبنان. أوعا ينزلوا بالشوارع...” لا تصدّق وأنت ترى الصورة. إنها السيدة جويس الجميل، والدة الشهيد المفجوعة بوفاة ابنها الشاب. ترفع اصبعها من على درج الصرح البطريركي وسط هتافات النساء وتحذّر المسيحيين: “أوعا”...
إنها أمّنا في البيت، الخائفة علينا من شغب المتظاهرين بعد خسارة فريق في “الباسكت بول”. إنها جدّتنا التي لا تزال ترتدي الأسود حداداً، محذرةً إيانا من رصاص القنّاصين خلال الحرب الأهلية...
“أوعا”...
مَنْ غير السيدة الجميّل يقدر اليوم أن يؤثّر في اللبنانيين (ولو أنها اختارت التوجه إلى المسيحيين)؟ وأيّ والدة (مسيحية أو مسلمة) استمعت أمس إلى مناشدتها، ولم تفكر بإقفال الباب في وجه أولادها لمنعهم من الخروج والمشاركة في “حفر مقبرة لبنان”؟
الصورة التي أطلّت بها الجميل أمس، كانت أكثر من مؤثّرة. ولا يمكن إيجاد ما يعبّر عن قوة تلك الإطلالة التلفزيونية للأم التي تعاطف معها جميع اللبنانيين، وعن قدرتها على ملامسة وجدانهم. قدرتها على إيصال خوف الأم الثكلى على ما ينتظر لبنان. ولو أن مصدر خوفها هو الاعتصام المفتوح الذي يبدأ اليوم، وليس أيّ أمر آخر. الجميّل خائفة، لكنها لن تخسر أكثر مما خسرته، ورغم ذلك تحذر بقية المسيحيين. كيف يمكن لشعور الخوف ألا ينتشر بينهم؟ كيف يمكن لتحذيرها ألا يلقى صدى؟
***
REWIND
لكن لنستعد المشهد، ولنحلّل بدم بارد هذه المرة.
المكان: الصرح البطريركي، وكلّنا يعرف رمزية هذا المكان الدينية والسياسية،
الزمان: ساعات فاصلة عن موعد الاعتصام المفتوح لقوى المعارضة المطالبة بحكومة وحدة وطنية.
الحضور في الصورة: البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير (وصفته المعنوية)، وكل من الأرملة صولانج الجميل (ولا تنسَ موقع زوجها بشير الجميّل)، اليتيمة نايلة تويني (ابنة الشهيد جبران تويني)، الناجية من الاغتيال مي شدياق. كلهن سيدات يحظين بتعاطف كبير من اللبنانيين. فكيف إذا اختزن المشهد مزيدٌ من الرمزية مثل اللون الأسود الذي كان هو المسيطر، وشعار واحد “بيار حيّ فينا”... تطلقه نسوة (وللجنس أيضاً قدرته على التأثير).
هل يحتاج المشهد إلى المزيد من الترميز؟ ألا يكفي وحده ليوصل الرسالة؟
يبدو أنه لا يكفي. المطلوب إذاً من الأم الثكلى أن تحكي، فهي صاحبة التأثير. تطلق خطابها رافعة اصبعها، تتوجه به إلى المسيحيين... فلنسمعه مجدداً: «أوعا ينزلوا بالشوارع، عم يحفروا مقبرة لبنان... أناشد المسيحيين أن يلتفّوا على بعضهم، وعندها ما حدا بيقدر علينا».
تحليل يحاول أن يكون بارداً: أوعا... أوعا الاستمرار في هذا النوع من التوظيف السياسي للمشاعر الإنسانية. أوعا كي لا يفقد اللبنانيون (مسيحيين ومسلمين) ما بقي لديهم من مشاعر. أوعا، لكي يبقى متاحاً للمشاهد أن يكرر مع نايلة تويني: «نقسم بالله العظيم مسلمين ومسيحيين أن نبقى موحدين، دفاعاً عن لبنان العظيم». آمين؟