محمد خير


رضوى عاشور في بيروت. ليس غريباً هذا الأمر. فالنقاط المشتركة التي تجمع هذه الروائية المصرية وبيروت المدينة لا تُعد ولا تُحصى. بيروت لجأ إليها الفلسطيني، ورضوى لجأ إليها مريد البرغوثي شاعراً فحبيباً فزوجاً، ثم متجولاً في بلاد الله الواسعة كأي فلسطيني أنجبته المأساة.
المرأة والمدينة أصيبتا في ذروة ازدهارهما: بيروت حكايتها معروفة، ورضوى تخرجت من الجامعة عشية نكسة 1967. رضوى وبيروت عدوهما واحد: أنجبت بيروت مقاومتها وأنجبت رضوى شاعراً جديداً هو تميم البرغوثي الذي يكتب بالفصحى والعاميتين المصرية والفلسطينيةلو أُطلق اسمٌ على جيل الستينيات، لكان رضوى عاشور (1946) التي عاشت كل نزق هذا الجيل وأحلامه، لكنها اختلفت عنه في صمودها أمام انكساراته ومقاربتها للماضي. لا تلمح في كتابتها هذا الإحباط الذي يدور في الحلقات المفرغة التي تتحسّر دائماً وتتندّم، فبات شعارها: “ليت ما كان لم يكن”. بدلاً من ذلك، لا تكف رضوى عن البحث في أسباب ما كان، تتجول في زواريب الأندلس لتروي ثلاثيتها الروائية “غرناطة” (الجزء الأول ــ دار الهلال ــ 1994) و“مريمة والرحيل” (الجزءان الثاني والثالث ــ 1995) التي حصل جزؤها الأول على جائزة أفضل كتاب في معرض القاهرة الدولي عام 1994.
رضوى تتجاهل السيارات الحديثة وحوانيت أطباق الاستقبال الفضائي وإكسسوار الخليوي بل تفضّل العودة بالقاهرة إلى أبهى عصورها عندما كانت “قطعة من أوروبا” (المركز الثقافي العربي ــ 2003) وتكتب عن المرأة في “خديجة وسوسن” (دار الهلال ــ 1987) وتجرّب القصة القصيرة في “تقارير السيدة راء” (دار الشروق ــ 2001) وتواصل بحثها خارج الحدود وتطبق تخصصها العلمي “الأدب المقارن”. هكذا، كتبت لليونسكو دراسة باللغة الإنكليزية بعنوان “جبران وبليك” (Gibran and blake -1978)...
ولا تنسى رضوى المقهورين المنسيين فتكتب “التابع ينهض، الرواية في غرب أفريقيا” (دار ابن رشد ــ 1980) و“البحث عن نظرية للأدب: دراسة للكتابات النقدية الأفرو ـ أميركية” (1975). وبالطبع، فلسطين حاضرة أبداً في كل أعمالها، من قبل “الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفاني” (دار الآداب ــ 1977)، وحتى ما بعد كتابها “في النقد التطبيقي: صيادو الذاكرة” (المركز الثقافي العربي ــ 2001).
في أوائل التسعينيات، رأست قسم اللغة الإنكليزية في جامعة عين شمس، وشهدت تلك الفترة ازدهاراً فنياً وأدبياً يتذكره طلبة القسم جيداً، ويحمل لها العرفان عشرات ممن أشرفت على رسائلهم العلمية. رضوى هي رمانة ميزان أي عمل جماعي، وهي تهب الصدقية لأي لجنة تحكيم تشارك ضمن أعضائها في مسابقات الثقافة المصرية. ويمكن القول إنّ رضوى أمسكت حياتها من كل أطرافها... هي زوجة وأم ومناضلة لا تستسلم... إنّها شقيقة بيروت!