لندن ــ فيصل عبد الله


“مهرجان لندن السينمائي الدولي” لا يرافقه الصخب الإعلامي وألق النجوم، مثل “كان” أو “البندقية” أو “برلين”. لكنّه موعد خاص مع الفنّ السابع، ارتاده مخرجون كبار مثل ساتياجيت راي، وأكيرا كيروساوا، وإنغمار برغمان

خمسون سنة مرّت على “مهرجان لندن السينمائي الدولي”. ولعلّ الميزة الأساسية لـ “مهرجان المهرجانات” الذي انطلق سنة 1957، أنه يقام في نهاية العام، بعد المواعيد السينمائية الكبرى، فيحصد أفضل ثمارها، وتلتقي عنده أهم أفلام الموسم في كل أنحاء العالم.
وهذا العام يوزّع المهرجان عروضه على عشرات الأمكنة والفضاءات المختلفة في لندن، بما فيها الكنائس والمستشفيات... وسجن النساء! فيما تضم فاعليات دورته الخمسين التي تستمر حتى الثاني من الشهر المقبل، أكثر من 180 شريطاً طويلاً من أكثر من 50 بلداً. ويتميز المهرجان هذا العام بزيادة عدد الأفلام البريطانية المشاركة فيه، وكذلك الأفلام الإيطالية وبينها «التمساح» لناني موريتي، و«رحلة بريمو ليفي» المأخوذ عن مذكرات الكاتب الشهير بريمو ليفي، وتجربته الفظيعة في معسكرات الاعتقال النازية. وحتّى الحضور الأميركي له نكهته الخاصة في مهرجان لندن، إذ يفتح المجال أمام أفلام مستقلة، خارج “إمبريالية” هوليوودأما الحضور العربي فيتوزع بين السينما المغاربية ومصر التي تشارك بفيلم “عمارة يعقوبيان” لمخرجه مروان حامد الذي يحطّ رحاله اليوم في مدينة الضباب. وتبدو المشاركة الجزائرية حافلة هذه الدورة. إذ يعرض فيلم “آنديجان” (السكان الأصليون) للجزائري رشيد بوشارب الذي حاز في مهرجان “كان” الأخير، جائزة أفضل أداء تمثيلي تقاسمها أبطاله جمال دبوز وسامي نصري ورشدي زم. ويتناول الفيلم (انتاج مشترك فرنسي ــ مغربي ــ جزائري ــ بلجيكي)، تضحيات المجندين من الشباب الأفريقي في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية. فيما تقدم الجزائرية جميلة صحراوي باكورتها “بركات”، المرشح لجائزتي النقاد العالمية وجائزة كأس “سوذرلاند” لأفضل عمل أول. يتناول الفيلم قصة الطبيبة أمل التي اختُطف زوجها الصحافي في تسعينيات القرن المنصرم على خلفية موجة العنف والتطرف التي عاشتها الجزائر.
ومن جهته، يدعونا المغربي فوزي بنسعيدي إلى التوغّل في واقع مدينة الدار البيضاء وتناقضاتها، في شريطه الرائع “يا له من عالم جميل”. ولا تبتعد مواطنته ياسمينة يحياوي كثيراً عن هذا العالم، إذ نجدها في “شارع أشجار التين” تتناول التقاليد والأعراف من خلال علاقة حب طويلة بين راقصة باليه مغربية في منتصف العمر وعشيقها الحلاق.
أما شريط “باماكو” للمالي عبد الرحمن سيساكو الذي سبق عرضه ضمن “أيام بيروت السينمائية”، فيربط بين مشاكل بلدان أفريقيا الفقيرة التي تدفع سنوياً عشرة مليارات دولار لخدمة ديونها الخارجية، وسياسة المؤسسات المالية الدولية الكبرى مثل “البنك العالمي”، و“صندوق النقد الدولي”. وتتمثل السينما الإيرانية في شريطين لافتين: «الألعاب النارية يوم الأربعاء» (أصغر فرهدي)، و«زمن تجمد» (علي رضا أميني).
من المحطات التي سعت إدارة المهرجان إلى ابرازها، تلك المتمحورة حول “العروض الخاصة”، ومن بينها العرض الأوروبي الأول لفيلم كيفن ماكدونالد “آخر ملوك أسكتلندا” الذي افتتحت به الدورة الخمسون من “مهرجان لندن السينمائي الدولي”. يستحضر الفيلم حقبة حكم الديكتاتور الأوغندي عيدي أمين دادا (تمثيل الأميركي فورست هويتكار)، من خلال قصة طبيب أسكتلندي شاب يسافر إلى أفريقيا هرباً من الملل، ويتزامن وصوله هذا مع صعود عيدي أمين دادا إلى السلطة في أوغندا، فيصبح طبيبه الشخصي، ويقع في حبائله، إذ يسند له لاحقاً مهمة الإشراف على سياسة البلد.
ويختتم المهرجان بفيلم “بابل”، للمكسيكي أليخاندرو غونزاليس إينياريتو الحائز جائزة أفضل إخراج في آخر دورات مهرجان “كان” الفرنسي. يربط الفيلم (بطولة براد بيت وكيت بلانشيت) بين ثلاث قصص شخصية تتداخل فصولها بين المغرب والمكسيك واليابان. قصص بين صبيين مغربيين من الرعاة فى جبال المغرب، وزوجين أميركيين مات طفلهما، ومربية مكسيكية، وشاب ياباني أصم وأبكم فقد أمه. الفيلم عن الحواجز الشخصية والاجتماعية والسياسية التي تتقاطع في عالم اليوم. وضمن الفقرة نفسها، يعرض شريط “أمة الوجبات السريعة” لريتشارد لينكلاتر، يفضح هذا الأخير خبث استغلال الشركات المصنعة للوجبات السريعة في مدينة كودي للمهاجرين غير الشرعيين من المكسيك.
ويقدم مهرجان لندن أعمالاً مميزة بينها فيلم “حياة ساكنة” للصيني جيا زانغ كي الذي فاز بالأسد الذهبي في مهرجان البندقية الأخير، و«السقوط» (باربرا ألبرت)، و«فينوس» (روجر ميكيل)، و«الملك والبهلوان» (لي جون - ايك)... وآخر أعمال الدنماركي لارس فون تراير وعنوانه «رئيس الجميع» الذي قدمه بشكل تحية للدورة الخمسين. ويعرض أيضاً شريط دوغلاس مكاراث “سمعة سيئة” عن حياة الكاتب الأميركي ترومان كابوت، وجديد الفنلندي آكي كاوريسماكي “أضواء الغسق” الذي يستكمل فيه ثلاثيته عن البطالة والتشرد والوحدة، وباكورة أندريا ارنولد «الطريق الأحمر» المرشح لجائزة كأس «سوذرلاند». ويدعونا شريط «فلاندرز» لبرونو دومون، الفائز بالجائزة الكبرى لمهرجان «كان» الأخير، الى متابعة وقائع حرب غير محددة (ليست بعيدة عن الحرب الدائرة في العراق)، راصداً أخلاقياتها ومفاهيم القتل والعنف والنصر.