strong>القدس المحتلة ــ نجوان درويش


لا يبدو واضحاً إن كان العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان هو الشعرة التي قسمت السينمائيين الإسرائيليين الى فريقين متواجهين... المؤكد هو أن حرب البيانات التي اندلعت خلال تلك الفترة لم تتوقّف حتّى الآن. وكان من آخر تطوراتها، رسالة كتبها المخرج الفلسطيني إيليا سليمان مطالباً بسحب توقيعه عن بيان سابق، وقّعه قبل حوالى ثلاثة أشهر مع زملاء له، ليصدر بدوره بياناً حاداً ضدّ ما وصفه بـ“شوفينية” بعض السينمائيين العرب. والنقاش لم ينته. إذ سنقرأ في الأيام المقبلة رداً لهؤلاء السينمائيين العرب الذين يتّهمه إيليا سليمان بالشوفينيّة.
من جهة أخرى، نجد أن بيانات فترة الحرب كانت الذريعة لاندلاع حروب بين السينمائيين الإسرائيليين. ولعل مقال ديفيد فيشر مدير “الصندوق الإسرائيلي الجديد للسينما والتلفزيون” الذي نشره في صحيفة “معاريف” العبرية، يمكن اعتباره مثالاً على ذلك. يبدو المقال، للوهلة الأولى، جزءاً من الهجمة التي تعرضت لها مجموعة من السينمائيين الإسرائيليين (بينهم آفي مغربي وإيال سيفان وسيمون بيتون) الذين خرجوا عن “الإجماع الصهيوني” خلال العدوان الأخير. وجّه هؤلاء آنذاك بياناً إلى السينمائيين العرب المجتمعين في “بينالي السينما العربية” في باريس، أعلنوا فيه استنكارهم العدوان وتضامنهم مع “زملائهم” اللبنانيين والفلسطينيين. وإذا بالبيان المذكور يتسبب بهجمة داخلية شرسة على موقّعيه. ومن يعرف طبيعة المؤسسة التي يديرها ديفيد فيشر (وهي واحدة من ثلاثة صناديق أساسية لتمويل صناعة السينما في إسرائيل)، يدرك أن هجومه يندرج ضمن إطار تصفية الحسابات مع مجموعة تعاكست توجهاتها مع مصالح مؤسسة ديفيد فيشر شبه الحكومية (حوالى 60 في المئة من تمويلها من الحكومة). والأرجح أن فيشر وظّف البيان الإسرائيلي الذي يدين الهجمة الوحشية على لبنان وفلسطين، كذريعة للنيل من هؤلاء السينمائيين الموقعين عليه، في نوع من الانتقام لبيانات أخرى سبق أن وقعوها ضد مشاريع إقليمية كان "صندوق فيشر” شريكاً فيها.
يبدأ المقال باستنفار عام يشكك فيه الكاتب بـ“يسارية” هؤلاء. ويذهب إلى أن مواقفهم هذه “تهدد بإعطاء صورة سلبية عن كل السينمائيين الإسرائيليين”. يدلل على كلامه بـ “مثال ملموس” ليسرد قصة البيان، ذاكراً أن موقّعيه الذين اعترضوا على “قسوة السياسة الإسرائيلية، ووحشيتها التي وصلت إلى مستويات جديدة”، إنما فعلوا ذلك “من دون أن يذكروا كلمة واحدة عن مسؤولية حزب الله في نشوب الحرب”... ويتهم فيشر هذه المجموعة بأنها “منحت نفسها احتكاراً للحوار الإسرائيلي ـــ الفلسطيني”. ولعل هذا الحنق مرده إلى فشل المشاريع التي حاول “الصندوق” الذي يرأسه فيشر، إقامتها مع سينمائيين فلسطينيين في الفترة الأخيرة بدعم مالي وغطاء أوروبيين... وباء معظمها بالفشل.
لكن المسألة أكثر تعقيداً من المنطق التبسيطي الذي يقوم عليه مقال فيشر. فعلاقة المبدعين الفلسطينيين بأقرانهم الإسرائيليين لم تكن طبيعية في يوم من الأيام: إنها علاقة إشكالية على جميع مستوياتها. حتى إنّ بعضهم ينظر الى “اليسار الراديكالي” في أوساط الفنانين الإسرائيليين، بصفته ظاهرة استعراضية أو فردية في أحسن الأحوال! لكن من المبكر الحكم هلى هؤلاء السينمائيين. إذ سيقال الكثير في تحليل دوافعهم وتحليل ظاهرتهم. غير أن التحليلات، على أهميتها، لا تمنع من الانتباه الى التصدعات التي تحدثها «ظواهر» كهذه في الجسم الإسرائيلي.