يُعدّ حنيف قريشي من الكتاب البارزين في بريطانيا، لكن اسمه ما زال غريباً على القارئ العربي. وقد باشرت “دار ورد” الدمشقية تعريب أعمال صاحب «الجسد»، الباحث الأبدي عن هويّة مفقودة

أمل الأندري

حين سئل غابرييل غارسيا ماركيز عن الفارق بين الكتابة والحياة، أجاب بأن الكتابة نقل شاعري للواقع. أما البريطاني حنيف قريشي الذي وصف بواقعية فجّة حياة المهاجرين، فيرى أن أجمل ما في الكتابة أنه “يمكنك تجريب هويات مختلفة”. ليس الامر غريباً بالنسبة الى كاتب مثّلت الهوية مبرّر وجوده الأدبي برمته، ابتداءً من المسرح فسيناريو الأفلام وانتهاء بالرواية.
في سيرة قريشي، المولود في جنوب بريطانيا (1954) من أم انكليزية وأب باكستاني، ما يفسر حضور الهوية الدائم في أعماله. توجّه الشاب ذو السحنة الداكنة التي يستعيدها في معظم اعماله، الى دراسة الفلسفة، وكان يكتب القصص الإباحية باسم مستعار. فإذا به بعد رحلة صاخبة يستحيل إلى ظاهرة أدبية، مكتسباً موقع “الكاتب المقيم” في مسرح البلاط الملكي في لندن. كتب قريشي سلسلة مسرحيات، قبل أن يعرف أولى المحطات في طريقه الى الشهرة مع مسرحية “ضواحي” (1981) التي فازت بجائزة “وايتبريد” ولم تختلف عن سابقاتها في التمحور حول اشكالية البحث الدائم عن هوية مفقودة في ضواحي لندن. لكن قريشي وصل الى الجمهور الواسع عن طريق السينما. هكذا لقي فيلم “مغسلتي الجميلة” My Beautiful Laundrette (1985) نجاحاً كبيراً، بسبب أسلوبه الساخر في تناول قصة مهاجر باكستاني يفتح دكاناً لغسل الملابس مع عشيقه المثلي الأبيض. استُقبل الفيلم بحفاوة من قبل النقاد، وأثار ضجّة عارمة بعد احتجاج جزء من الجالية الباكستانية على طريقة تصويرها بهذه الطريقة “المنحلة”.
يرفض “الباكستاني التائه” اعتقاله في خانة إثنيّة. تجربته الأدبية قائمة على الغوص في قاع المدينة، والمضي الى الهامش لرصد ملامح حياة قاسية تنغلق عليها ضواحي لندن: حياة عنوانها البؤس والانحلال. ولعلّ قريشي أبرز الكتاب الذين تطرقوا الى هذا الواقع، فاضحاً “عنصرية” بريطانيا الثمانينيات، القائمة على نبذ الآخر. وكل ذلك سيجعل منه “نجماً أدبياً”، ومرجعاً يستند اليه مجتمع كامل في محاولة استعادة الأفق المتسامح الذي طالما اشتهر به. لم يقتصر نشاط حنيف قريشي الابداعي على كتابة السيناريو والمسرح... بل لعله اتخذ من “ازدواج الهوية” حافزاً لتنوّع خياراته الابداعية. خاض تجربة القصة والرواية، فجاءت "بوذا الضواحي” (1990) لتمثّل نوعاً من السيرة الذاتية وصارت من الكلاسيكيات التي تدرّس في الثانويات البريطانية.
تصوير عنصرية بريطانيا وحياة المهاجرين القاسية... من العوامل التي جعلت قريشي يحتل مكانة في المشهد الثقافي البريطاني، كان قد سبقه إليها كاتب بريطاني آخر، من أصول هندية... ليس الا سلمان رشدي. لكن صاحب “الآيات شيطانية” ذهب في الفضيحة أبعد منه، فصار نجماً عالمياً منذ سنوات طويلة، فيما قريشي يدق اليوم أبواب العالم العربي للمرّة الأولى. فكيف سيتلقّف قرّاء الضاد أعماله؟



الكلمة والقنبلة
عقب تفجيرات لندن عام 2005، أصدر قريشي كتاباً بعنوان “الكلمة والقنبلة”. وجاء في صحيفة الـ “غارديان”: “يتمتّع قريشي بقدرة على فهم التركيبة المعقدة للهوية الاسلامية المعاصرة في بريطانيا. عندما تبيّن أن المتّهمين في التفجيرات بريطانيون من أصل مهاجر، حوصرت الجالية التي ينحدرون منها بنظرة تخوين. الا أنّ قريشي جاء ليشرّح الاسباب، فهو يعرف حجم معاناة الجيل الأول من المهاجرين وضياع الجيل الثاني. وقصصه علاج مضاد، في الموقع النقيض لخطاب المحافظين الداعين الى الاعتراف بالجميل تجاه تسامحهم كل هذه السنين! قريشي يفهم كيف يمكن أن يؤدي الضياع بشاب مسلم في بريطانيا الى البحث عن خلاصه في الاصولية، لكنه يرفض هذا الخيار: “الخوف من تعقيدات الحياة ــ يقول ــ ليس عذراً لاعتناق ثقافة الموت”.