تعبت فاطمة المرنيسي من الأضواء، ومن تعاطي الإعلام معها كـ“نوال السعداوي الجديدة”، أو “الكاتبة المغربية المثيرة للجدل”... هنا زيارة إلى صاحبة “الحريم السياسي” التي عادت إلى حبّها الأوّل، أي العمل الميداني في مجال علم الاجتماع.


الرباط ــ ياسين عدنان

لا تبعد فيلّا فاطمة المرنيسي القابعة على ساحل المحيط الأطلسي في منطقة هرهورة (جنوب الرباط) كثيراً عن شاطئ “كازينو” الساحر الأشبه ببحيرة. ولا تحتاج مسافة الطريق لأكثر من خمس دقائق سيراً. إلا أن عالمة الاجتماع المغربية تفضّل قطعها بالسيارة.
قبل سنوات، كانت هذه المنطقة المجاورة للرباط أشبه بناد خاص بالبورجوازية الرباطية. لكن مدينة "تمارة” المجاورة للشاطئ توسّعت بشكل مخيف بسبب كل هؤلاء المستخدمين المحدودي الدخل، الذين يعملون في الرباط ويقطنون فيها. بلدية العاصمة قامت هي الأخرى باستحداث حافلة تنقل أهالي الرباط مباشرة إلى هذا الشاطئ. وهكذا تحول شاطئ “كازينو” الراقي إلى فضاء شعبي تبلغه جماهير الرباط وتمارة يومياً بالكثير من السلاسة.
«البحر وغبطة الجسد»
البورجوازية الرباطية التي استثمرت في فيلّات هرهورة صارت اليوم مجبرة على تشغيل محركات سياراتها للهرب من "الغوغاء” باتجاه شواطئ أبعد. أما فاطمة المرنيسي فهي من أسعد مخلوقات الله. تسبح يومياً مع الشباب وتتحاور معهم وتسجّل ملاحظاتها وترصد تحولات المجتمع. إنها تعمل هذه الأيام على “البحر وغبطة الجسد”، هي التي راقبت هذا الشاطئ مذ كان حكراً على علّيّة القوم. والنساء اللواتي كنّّّ يقصدنه من الرباط في الزمن القديم كن يأتين ليغطسن أجسادهن السمينة سبع مرات في موجات سبع، طلباً للزواج أو رغبة في الإنجاب السريع.
اليوم صار الشاطئ فضاءً تعيث فيه الأجساد الرشيقة حريةً. شباب ضاجّ بالحياة. عشّاق هنا وهناك. صبايا شبه عاريات وفتيات محجّبات يسبحن جنباً إلى جنب، وفاطمة المرنيسي تسبح إلى جوارهن وتطاردهن بأسئلتها: "ألا يزعجك هذا الثوب؟ ألا يضايقك الحجاب أثناء السباحة؟ تبدين أكثر إثارة في هذا الجلباب الشفاف الجميل؟ لماذا اخترت هذا اللون بالذات؟” فاطمة تجيد دغدغة أنوثة الصبايا، لذا يُجِبنها بالكثير من التلقائية والغبطة. وفاطمة سعيدة هنا على الشاطئ. سعيدة كطفلة. تسبح يومياً وتعمل. ترفض الذهاب الى أميركا بسبب كل الحروب التي تشنها على المنطقة العربية. ترفض ركوب الطائرة لحضور مؤتمرات غير مجدية. وتفضّل البقاء هنا في هرهورة حيث الحياة بلون البحر.
عندما أخبرت فاطمة المرنيسي على الهاتف بأنني قضيت جزءاً من آب اللهّاب تحت سماء الدانمرك الممطرة، تعاطفت معي ودعتني إلى شمسها. أعطتني مفتاح شقة الضيوف ـ شقة فسيحة ببلكونة رائعة يصطخب الموج تحت شرفتها ـ ودعتني لمرافقتها إلى الشاطئ. السباحة في سبتمبر شيء مذهل، لكن برفقة المرنيسي تصير المتعة مضاعفة. حاولت مرة أن أحتال قليلاً، فاقترحت عليها أن نخصص بعض الوقت لإجراء حوار هادئ حول مشاريعها الجديدة. لكن فاطمة سرعان ما قطّبت حاجبيها وبادرتني: "أدعوك لتستمتع بالسباحة والشاطئ وأنت تأبى إلا أن تُخرِّب عطلتي”. قالتها بنبرة عتاب وهربت إلى البحر. قلت في نفسي: “لتذهب كل حوارات العالم إلى الجحيم”. وجرجرت قدمي أنا الآخر باتجاه أول موجة. كانت فاطمة مستغرقة في الحديث مع أب وطفله. وكانت تغطس من حين الى آخر، تسبح قليلاً ثم تعود لتستأنف الحوار معهما. لم تكن فاطمة المرنيسي في عطلة. من يعرفها جيداً يقول إن صاحبة "الجنس كهندسة اجتماعية” لم تذق طعم العطلة منذ سنوات. إنها هنا لتعمل. بعد لحظة، وجدتها تسبح باتجاهي وبريق خاص في عينيها: “هل تعرف ماذا أخبرني ذلك الطفل؟”. لم أكن أستمع إلى حديثها. كنت فقط أفكر: نحتاج الكثير من غبطة الروح لنكتب عن غبطة الجسد. وفاطمة المرنيسي كاتبة تنخرط بكل جوارحها وحواسها في المواضيع التي تعمل عليها. إنها عالمة اجتماع عرفت منذ البداية كيف تقارب مواضيعها بوجدان شاعرة. ولهذا تعدّ اليوم عالمة الاجتماع العربية الأقدر على إمتاع القارئ.