مهى زراقط


وفي اليوم الرابع والثلاثين لم يسترح المحاربون على جبهة الإعلام. انتشروا في المناطق اللبنانية التي كانوا ممنوعين من دخولها. نقلوا مشاهداتهم عن رحلة العودة. فيما احتل مشهد الخراب العظيم موقع الصدارة: كل المصوّرين تهافتوا على التقاط «الصورة ــ الأيقونة» في الضاحية الجنوبية... «هيروشيما الجديدة».

ل الجهات الجنوب... والضاحية جنوبية، كانت أمس وجهة الجميع. صارت “الصورة ــ الأيقونة” أو “الصورة ــ الرمز” التي تحتاج إليها الشاشات في تغطيتها لليوم الأول لما بعد العدوان الاسرائيلي على لبنان، وربما لما بعده.
أمس، انتشر المراسلون الصحافيون في مختلف المناطق اللبنانية، نقلوا مشاهداتهم من مختلف قرى الجنوب والطرق المؤدية إليها، رصدوا مشاعر الناس وتعابير وجوههم، وكانت محطتهم، بين كل هذه المشاهد، الضاحية الجنوبية. يعودون إليها بين رسالة إخبارية وأخرى. لا يعودون إليها فقط لأنها شكّلت أكثر من مادة إخبارية (تغطية زيارة وزير الخارجية الإيطالي والوزراء اللبنانيين) أو لتغطية عودة النازحين، وإنما ليكتشفوا بأنفسهم ما حلّ بالضاحية التي لم يتمكّنوا من الوصول إليها في أوقات سابقة.
ضاعت المفردات على ألسنة الصحافيين الذين ذهبوا لاكتشاف الضاحية. سيكفي المرء أن يتصور نفسه مكان واحد منهم، ليدخل لعبة المرادفات: رعب... دمار... ركام... صدمة... دهشة... صورة مؤلمة... يورد مراسل «المستقبل» أسامة أيوب كل هذه الكلمات ويكررها أكثر من مرة في تقرير واحد. كاتيا ناصر من «الجزيرة» تصف الضاحية بأنها «أثر بعد عين، وهذا ليس تعبيراً إنشائياً». نجوى قاسم من «العربية» تحكي عن مشاهد «مخيفة». حركات وجهها ويديها أكثر من معبّرة عن دهشتها هي بما رأته... وما لم تره أيضاً بعد استحالة الدخول إلى المربع الأمني بسبب الركام وإقفال المنطقة خوفاً من الأجسام الغريبة. تصف قاسم تعابير المواطنين الذين عادوا للاطمئنان إلى بيوتهم بـ«الذهول».
حينما تعجز الكلمات يلجأ الصحافيون إلى الرموز، إلى اللعب على الصورة وتأطير المشهد... تحويل كل ما فيه إلى قصة. لا يعود الصحافي ناقلاً للمعلومة فقط، بل مخرجاً يحق له أن يستفيد من كل ما يقع بين يديه ليعبّر عما يراه. شهير إدريس من «المستقبل» تحمل بين يديها الصفحة الأولى من كتاب «ناج»، هو «كان ما كان» للأديب ميخائيل نعيمة وتقول للمشاهدين إنه عنوان يختصر وضع الضاحية اليوم. عندها لا يمكنك إلا أن تتذكر كتاب «الألغام الإسرائيلية» الذي وقع بين يديّ مدير مكتب «الجزيرة» غسان بن جدّو خلال الحرب... وتجري المقارنة بين ما اختاره المذيعان.
الإخراج لا يقتصر على الأرض، يمكنه أن يتم في الاستديوهات أيضاً... كما على شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال” التي انقسمت أمس إلى شباكين. في الأول ضيف سياسي (النائبان عن الشمال: الياس عطا الله صباحاً ومصباح الأحدب بعد الظهر)، وفي الثاني صور مباشرة من الضاحية (مساء كانت الصور حصرية من بلدات ما بين صور وبنت جبيل). لا مجال للمقارنة بين ما يقوله السياسيان على تلك الشاشة، وما تنقله الكاميرا من صور للدمار. السياسي يحكي عن عدم جواز استثمار النصر من قبل شخص واحد. يتساءل عن مصير السلاح، عن التسويات، الحوار الوطني... «ألم نكن لنحقق هذه التسوية من دون حرب؟ لماذا كلّفونا إلى هذا الحد؟».
تأتي الإجابة على شاشة أخرى. «المنار» التي حوّلت شارع بئر العبد إلى استديو للنقل المباشر. أبناء الضاحية هم الضيوف وهم من يدلي برأيه. يرفع شقيق الشهيد قاسم عون صوته ويؤكد: «قدّمنا الشهداء وسنقدّم المزيد لكننا لن نسمح بأن يُمسّ سلاح المقاومة... لا يحلمنّ أحد بذلك».
يحرص عدد من المراسلين على إبراز صورة الأمين العام لـ«حزب الله» فيما ترتفع الهتافات «الله، نصر الله، الضاحية كلها»، «كما وعدنا السيد حسن... كنا نرى النصر في عيوننا وقلبنا...».
«الجزيرة» أيضاً نقلت الاستديو إلى الضاحية. فقدّم غسان بن جدو برنامجه «من لبنان» من قلبها، وإلى ضيفيه (رئيس تحرير الأخبار جوزف سماحة وعضو التيار الوطني الحر جبران باسيل) كان هناك عدد من أبناء المنطقة الذين أبدوا حماستهم للهتاف ونصرة المقاومة.
ليس جديداً أن تكتشف رغبة اللبناني في الحديث الى كاميرات التلفزيون. هو ليس من أكثر الشعوب صداقةً مع الكاميرا فقط، لكنه أيضاً يتقن «استخدام» الإعلام ويعرف أهمية إيصال الرسالة التي يريدها. الكاميرا في الضاحية لم تُفاجئ المواطنين، كانوا في انتظارها ليعبّروا من خلالها عن عدم انكسارهم أمام وحشية القصف الذي ذهب ببيوتهم وذكرياتهم. لكنها، الكاميرا، قد تكون فاجأت العائدين في سياراتهم إلى القرى الجنوبية. هؤلاء لم يكن لديهم ما يقولونه أكثر مما هم في صدد القيام به فعلاً «العودة إلى بيوتنا... أو إلى ركام بيوتنا... المهم أن نعود».
مشهد العودة في لبنان قابله في شمال «اسرائيل» مشهد الحذر والترقّب. صور للمقاهي الفارغة، الجرافات التي تعمل على رفع الركام في غياب أصحاب البيوت، وفي هذا