الجزائر ــ الياس مهدي


دقائق قليلة قبل أن تبلغ الساعة الخامسة من فجر يوم الاثنين بتوقيت غرينتش. رفع بعض الفضائيات العربية درجة التأهب إلى المستوى «الأحمر»: جنّدت كاميرات التصوير والميكروفونات وخطوط الهاتف، وقطعت كل البرامج الحوارية والنقاشات. كانت الفضائيات تنتظر بلهفة الدقيقة الصفر، لتنقل إلى المشاهدين في العالم صوراً حية عن لبنان، بعد ثوان من دخول قرار وقف النار حيز التنفيذ. في الجانب الآخر، بدت الغالبية الساحقة من الفضائيات العربية أشبه بالمتخلفين عن ركب التاريخ، فلا موجزاً للأخبار ولا شهادات حية. رفعت هذه القنوات الراية البيضاء سلفاً، مفضّلة المسلسلات والحفلات الفنية الراقصة. في حدود الدقيقة الصفر، تحوّل جهاز «الريموت كونترول» إلى ما يشبه لعبة للصغار الذين لا يكفّون عن الضغط على الأزرار، عابراً المحطات والفضائيات في زمن قياسي. باحثاً عن صورة أفضل، أو تقرير استثنائي يؤكد أن إسرائيل ربما لم تستجب لوقف النار، أو أن صاروخاً لحزب الله اخترق الحظر... لكن التقارير في النهاية بدت متشابهة تماماً على «الجزيرة»، و“العربية”، و“المستقبل” و الـ“أل.بي.سي”. هذه القنوات كانت الأكثر استعداداً لتغطية الوقائع. «الجزيرة» تأخرت قليلاً، على خلاف «العربية» حيث قاطعت المذيعة مراسلها، لتعلن النبأ السعيد: «إخواني المشاهدين في هذه اللحظة، دخل قرار وقف النار حيز التنفيذ». أما مذيعة «المستقبل» فبدت في قمة سعادتها، ولم تستطع إخفاء ابتسامتها العريضة لحظة تلاقي عقارب الساعة عند الثامنة بتوقيت بيروت.
مراسلون كثر فضّلوا شاطئ صيدا لإعلان وقف النار. كان عزاؤهم أنها أقرب منطقة تربط العاصمة بالجنوب، ومنها تبدأ حركة تنقّل اللبنانيين إلى قراهم المدمرة. حتى إن تقارير بعضهم شوشت على بعضهم الآخر.
على شاشة «المستقبل»، كانت المراسلة أول من بث تقريراً حياً من الضاحية. راحت تسترسل في وصف مشاعر الناس وردات أفعالهم، معنلة بكل فخر: «أنا من الجنوب، وأعرف جيداً ما يشعر به الناس هنا... معنوياتهم مرتفعة جداً».
وفيما كانت «المستقبل» تجزم أن حركة المواطنين إلى الجنوب “محتشمة” جداً، أكد مراسلا «الجزيرة» و» العربية» أن اللبنانيين تدفقوا بالمئات عند السابعة صباحاً، عائدين إلى الأماكن التي قُصفت. لكن الصور التي تعكس تلك الشهادت كانت غائبة تماماً، باستثناء حركة خجولة لبعض السيارات.
ولم ينقل المراسلون أي تصريحات ساخنة للمواطنين اللبنانيين، بل فضلوا الاسترسال في الكلام، والتنبؤ بالتزام إسرائيل بالقرار، أو تحذير الللبنانيين من خدعة إسرائيلية محتملة. تحوّل الصحافيون إلى محللين سياسيين، أكثر منهم إلى مراسلين ينقلون الوقائع والصور التي لا بديل عنها في تلك اللحظات التاريخية.
وبعيداً من تلك الهفوات، واصلت قنوات أخرى بث المسلسلات والأفلام، من بينها قناة «أبو ظبي» التي كانت أكبر غائب عن حرب لبنان، والتي أبلت بلاءً حسناً خلال الحرب على العراق.
وإن كانت الإمارات العربية امتنعت عن تحويل قناتها إلى منبر آخر للتقاذف السياسي مع خصومها، فإن السؤال يبقى مطروحاً عن سر غياب «أبو ظبي» عن الحدث، واكتفائها ببرامج حوارية غائبة عن الميدان؟