لم يكتف المثقفون العرب بالتضامن مع الشعب اللبناني المحاصر بالحديد والنار، بل إن الأسابيع الصعبة الماضية تركت بصماتها على وجدانهم، وأقحمتهم في دوّامة من النقاشات والتساؤلات المتعلقة براهنهم الفكري والسياسي


كان لبنان، على مدى شهر كامل، الجرح النازف في الجسد العربي. وترك العدوان الاسرائيلي بصماته على المفكرة الثقافية في مختلف الأقطار، فألغيت مهرجانات وعُدلت برامج، وتحوّلت التظاهرات منبراً للاحتجاج والتعبير عن الغضب.
وأطلقت مبادرات لافتة مثل مشروع مقاطعة البضائع الأميركية الذي أطلقته الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي والفنانة التونسية لطيفة العرفاوي..
وفي باريس، حيث يعيش العديد من الكتاب العرب واللبنانيين، ارتفعت أصوات عدة وتتالت الرسائل والبيانات من العاصمة الفرنسية، مدينةً المجازر التي ترتكبها اسرائيل. الفنانة نضال الأشقر كتبت رسالة الى فنانين العالم قائلة: “لا تحيدوا بنظركم عن هذه اللحظة لأنّ آثارها وانعكاساتها قد لا تتوقف عند حدود لبنان والشرق الأوسط”. ومثلها فعلت الروائية العراقية عالية ممدوح والتشكيلي السوري يوسف عبدلكي وغيرهم ممن وجّهوا اصبع الاتهام الى الأنظمة العربية، وعابوا عليها صمتها المشبوهارتباك هنا، وذهول هناك
في القاهرة كان الارتباك ردّ الفعل الأول على الحرب في لبنان. فالعاصمة المصرية شهدت سنة سياسية صاخبة، من تعديل الدستور والانتخابات الرئاسية... الى الصراع على قضايا الديموقراطية والمجتمع المدني وحرية التعبير. وجاء العدوان مفاجئاً في التوقيت، فأربك عدداً من المثقفين البارزين الذين يقفون في بلادهم في مواجهة “الإسلام السياسي”، حتى يكاد موقفهم من هذا التيار يفوق عداءهم للنظام الحاكم! تخوّف هؤلاء من أن يأتي تضامنهم الطبيعي والحتمي مع المقاومة اللبنانية ــ لأسباب وطنية وسياسية بديهيّة ــ ليقوي رصيد النهج الاسلامي على الساحة السياسية الداخلية في مصر، ويعوق صراعهم من أجل مجتمع ليبرالي وعلماني.
لكن سرعان ما فهمت الطليعة الثقافية المصرية، الفروقات الدقيقة في المواقف، واستوعبت، بتعبير أحد المثقفين، أن “المعركة التي تخاض في الجنوب اللبناني، إنما تخاض بالنيابة عن كل العرب، أياً كانت اتجاهاتهم السياسية”. وعلت اصوات يسارية عدة، أبرزها الشاعر أحمد فؤاد نجم الذي تمنى “لو أن رحيل نبيل الهلالي تأخر أياماً كي يرى صمود المقاومة اللبنانية بقيادة حسن نصر الله”. وأكد أنّ محامي العمّال والكادحين كان “غيّر رايه وما ماتش”. ودخلت الكاتبة فريدة النقاش المعترك، شأنها في ذلك شأن معظم المثقفين والكتاب، مثل ابراهيم عبد المجيد وبهاء طاهر ومحمد البساطي والناشر محمد هاشم...
وفي الأردن جاء موقف المثقفين أقرب الى “الذهول” منه الى الصخب. خيم طيف لبنان على مختلف المناسبات الثقافية والمهرجانات... هكذا ألهب سميح القاسم جمهور العاصمة بقصيدة جديدة كتبها بعد مجزرة قانا. وأقامت المؤسسات الثقافية معارض وأمسيات تضامنية عاد ريعها الى النازحين في لبنان، أبرزها تلك التي أحيتها مكادي نحّاس في “مسرح البلد”. وكان الفنان المسرحي نبيل صوالحة سباقاً في“اغتنام” اللحظة السياسية، إذ أطلق مسرحيته “عربي طالعه روحه”، وفيها شخصية مواطن عربي يتابع أخبار الحرب، ويرصد تصريحات بوش ومواقف الزعماء العرب.
درويش وحزب الله
مثقفو فلسطين عاشوا “انقساماً ثقافياً”، لكي لا نقول نوعاً من “تصفية الحسابات” الداخلية، إذ صبّ عدد منهم جام غضبهم على الشاعر محمود درويش وبعض المثقفين والاكاديميين بسبب بيان تضامني وقعه هؤلاء مع الشعب اللبناني، ووصفه مناوئوه بالهش والباهت، رافضين ما عدوه “تلميحاً الى نقد مبطن لحزب الله” في احدى الفقرات. وجاء في البيان موضع الخلاف: “بقدر ما يؤكد جنون القوة في هذا الجزء من العالم الطبيعة المحافظة للعقل الكولونيالي الذي يعيد إنتاج سياسات، وتجارب وحملات استعمارية فاشلة في كل مكان آخر، يؤكد، أيضاً، ما تنطوي عليه أوهام هندسة الحدود، والهويات على الطريقة الكولونيالية من مخاطر تهدد بتحويل الصراع في المنطقة إلى حرب بين أصوليات متناحرة يتردد صداها في أربعة أركان الأرض”.
ولم تخل الساحة الفلسطينية من التظاهرات والأمسيات. كما قام الأديب زكريا محمد وآخرون باطلاق اسم بنت جبيل على الشارع الرئيسي لرام الله ويعرف باسم "شارع ركب”... فيما ما أقام التشكيلي مروان علان مع عدد من الفنانين الآخرين معرضاً تضامنياً مع الشعب اللبناني. الا أن الكاتب حسن البطل رأى أن المطلوب من المثقف في هذا الوقت هو “الاستمرار في الابداع لأنه أكبر عمل مقاوم”، مشيراً الى أن "ما كتبه الروائي اللبناني الياس خوري عن الحرب... وما خطّه كتاب كبار من أعمال تبقى أكبر وأهم بكثير من أمسيات هنا، وتظاهرات غير مدروسة هناك”.
وبعدما نعى الشاعر أدونيس “ضمير الانسانية النائم أمام ما يجري لبيروت من أهوال الحرب”، مشيراً إلى أن “الصمت العالمي المذل ينذر بمرض خطير فكري وانساني على مستوى الكون”، وجد المثقف السوري نفسه “خارج الملعب” جالساً في صفوف الاحتياط. ورغم أن بيانات الاستنكار صارت وظيفة جديدة في السنوات الأخيرة، فقلّة هم المثقفون السوريون الذين لجأوا اليها هذه المرّة. وليس السبب طبعاً غياب مشاعر التضامن، أو انعدام الوعي بخطورة الموقف، بل حالة من الاحباط والشعور باللاجدوى. ويمكن تلخيص رد الفعل في دمشق باليأس العام من حالة التراجيديا العربية المتواصلة... بنجاح كبير!