وضعت الحرب أوزارها على الشاشة الصغيرة. فبعد أن استأثرت البرامج السياسية بالمشهد الإعلامي، وأغرقت المشاهد بسجالات مضنية، جاء اليوم دور البرامج الاجتماعية التي تعيد إلى دائرة الضوء أوضاع النازحين، وقصص الناس في الحرب.

في قلب الدوامة السياسية التي تلف الشاشة الصغيرة، استفاقت البرامج الاجتماعية من كبوة طويلة. ثلاثة برامج بدأت تُعرض على ثلاث شاشات لبنانية، انطلقت من أرض الواقع، نزلت إلى الشارع، وتوغلت في معاناة الناس، كل واحد من زاوية خاصة: “حكايا البلد” على شاشة “المستقبل”، “نحنا لبعض” على «أل بي سي»، و“نحنا معكم” على “نيو تي في”.
بعد الصدمة التي تلت العدوان الاسرائيلي، اختار برنامج “حكايا الناس” الذي يعرض مساء الأحد على شاشة “المستقبل”، أن يتخلّى مؤقتاً عن صيغته القديمة ومقدمته الفنانة كارمن لبس، وغير اسمه إلى “حكايا البلد”. نزلت الكاميرا إلى الشارع لملاقاة الواقع. وانطلاقاً من إيمان البرنامج بقدرة الأماكن على حماية الناس، أراد فريق العمل رصد العلاقة المتينة التي تجمع الناس بالأماكن في زمن الحرب، وقدرة هذه الأماكن على الصمود في وجه الآلة العسكرية المدمرة. في “جنينة الصنايع” البيروتية حطّ رحال الكاميرا أولاً، ثم جاء دور شارع الحمرا ومدينة بعلبك.
تقول المعدّة والمنتجة المنفّذة منى سعيدون: “في جنينة الصنايع، وددنا إظهار العلاقة المتينة التي تجمع الناس بالأماكن. تلك الحديقة عاشت كل الحروب والأزمات. واليوم، أحبت النازحين واحتضنتهم. صار ترابها أرحم من سماء قراهم... كذلك شارع الحمرا الذي بقي صامداً حتى اليوم، ومدينة بعلبك التي انطلقت منها يوماً مهرجانات الفرح”. وتستدرك سعيدون سريعاً: “لا نستعرض التاريخ بقدر ما نحاول استعادة الحنين في شوارع بقيت ملاذاً آمناً للناس منذ الاجتياح الإسرائيلي لبيروت”.
ولا تخفي سعيدون صعوبة رصد مواضيع جديدة، “لا نضع سيناريو للحلقات، بل خطوطاً عريضة، ثم تنطلق المعدّة ريف عقيل والمخرج مارون أسمر إلى أماكن التصوير، لتبقى الأحداث الميدانية سيدة الموقف”.
في جعبة البرنامج، حلقة عن مرفأ بيروت، تبدأ من تمثال الاغتراب بالقرب من المرفأ، وتستعيد ملحمة الهجرة، “قدر” اللبناني الذي كثيراً ما حمل حقيبته وأبحر صوب المجهول... ويجري الإعداد لحلقة عن علاقة بيروت بالليل، وتحوّل السهر أيام الحرب من وسط المدينة إلى الأحياء الشعبية. وتصرّ سعيدون على خيارها الأساسي: “لا صور دمار أو معاناة في البرنامج. نحاول تقديم وميض أمل في وطن اعتاد النهوض من كبواته”.
على شاشة “ال بي سي”، قررت الإعلامية ماغي عون تقديم برنامج، يسلّط الضوء على معاناة الناس. وتقول: “انطلقت فكرة “نحنا لبعض” - يعرض عند الرابعة من بعد ظهر كل اثنين، اربعاء، وسبت - من حجم المعاناة التي نعيشها. بعد انتهاء الحرب، بدأت رحلة النازحين الحقيقية مع المعاناة. حان الوقت لكي تلعب الشاشة الصغيرة دورها الحقيقي في المجال الإنساني”.
يهدف البرنامج إلى تأمين صلة تواصل بين ضحايا العدوان، ومن أراد مساعدتهم. وتؤكد عون أن أبطال حلقاتها، هم شهداء، “لذا أرفض مقولة أننا نستعملهم لتقديم مادة إعلامية دسمة... هدفنا مساعدتهم في إطلاق صرخة مدوية ضدّ الظلم”.
وتشير إلى أن البرنامج سيتابع القصص التي رصدتها الريبورتاجات في فترة الحرب، “سنزور الناس في بيوتهم التي عادوا إليها. كما سنقدم تقارير مفصلة، سعياً إلى الشفافية، عن المساعدات التي قدمت إليهم. وكل ذلك، في طريقة مناسبة، لا تضعهم أبداً في موقف المستعطي”.
في الحلقات المقبلة، سيعرض البرنامج ريبورتاجات عن أطفال يعانون من أزمات نفسية حادة نتيجة الحرب، بينهم من سيخضع لمعالجة نفسية. كما تشدد عون على أهمية استضافة الناس في الاستوديو، “هم قادرون على تحديد احتياجاتهم في شكل أوضح”.
وتختم: «أسئلة كثيرة نطرحها يومياً عن وضعنا في الشرق الأوسط، ودورنا في هذا البلد، ومخاوف المستقبل الغامض. لذا، أعتقد أن حصة الأسد في المستقبل ستكون للبرامج الاجتماعية، علّها تصلح ما أفسدته السياسة”.
“نحنا معكم” على “نيو تي في”
لم تكن غادة عيد، مقدمة برنامج “الفساد” على شاشة “نيو تي في”، تعرف ان حلمها في تقديم أكثر من برنامج اجتماعي سيتحقق سريعاً... وها هي اليوم تطل في “نحنا معكم” الذي يعرض يومياً (ما عدا الجمعة والأحد) عند الرابعة عصراً. تجد عيد ان عودة البرامج الاجتماعية إلى دائرة الضوء، مسألة طبيعية في فترة بعد الحرب، وتقول: “في مرحلة العودة، سيطرح النازحون آلاف الأسئلة عن وضعهم ومستقبلهم. لذا، تراني أركز في شكل أساسي على حملات التوعية، من الصحة إلى الإغاثة والإعمار... لم يعد هناك من مشاهد سلبي يقبع أمام الشاشة. الناس يبحثون اليوم عن فرصة للتعبير وإيصال الرسائل. وهذه هي الطريقة المثلى لكشف الفساد، في ظل جدل سياسي عقيم”. من هذا المنطلق، يحاول فريق الإعداد اعتماد العفوية في مناقشة المواضيع، “الاتصالات هي المحرك الأساسي للنقاش داخل الاستوديو. الناس قادرون على إخافة الدولة، وإعطاء الإعلام دور الرقيب والحسيب. في الحلقة الماضية مثلاً، علمنا أن أهالي ضحايا مجزرة قانا الاولى لم يأخذوا تعويضاتهم حتى اليوم... من هنا، نفهم لمَ لم يعد باستطاعتنا الوثوق بالدولة؟ لمَ علينا مطالبتها بالالتزام بواجباتها، وهي في الأساس أمّ من واجبها إطعام أولادها قبل ان يصرخوا جائعين؟”.
خلال هذا الأسبوع، يسلط البرنامج الضوء على مشاريع وزارتي الصحة والبيئة ومجالس الإنماء والإعمار. كما تستضيف عيد خبراء اقتصاديين، وتطرح سؤالاً أساسياً عن أي دولة نريد؟