مهى زراقط


تكرّر الإعلامية ماغي فرح، في عدد من مقابلاتها، قصة تشرح علاقة المواطن العادي بالوسيلة الإعلامية متخذة أمها مثالاً على ذلك.
تقول القصة إنه خلال الحرب اللبنانية، سمعت فرح ووالدتها صوت انفجارات قريبة من المنطقة التي تقيمان فيها، وبعدما أجرت فرح اتصالاتها لتطّلع على التطورات عادت تطمئن والدتها إلى أن المنطقة في أمان وأن القصف الذي جرى ليس أكثر من رسائل سياسية. لكن الوالدة لم تقتنع، حتى بعدما أخبرتها فرح أنها ستتصل مباشرة بالإذاعة وتعطي هذه المعلومات عبر الأثير. بل أكثر من ذلك حملت الوالدة الراديو إلى غرفة أخرى، فيما كانت فرح تسجل رسالتها، لتسمع الخبر عبره وعندئذ فقط صدقت تطمينات ابنتها.
تختصر هذه القصة الثقة العمياء بالوسيلة الإعلامية التي يفترض أنها تعرف أكثر من غيرها، ومهمتها إرشاد المواطن وإحاطته علماً بما يحدث. كانت الوسيلة الإعلامية في ذلك الوقت “الأستاذ” الذي يخبر “الحاجة” عن “اللي بدو يصير” كما في مسرحية زياد الرحباني “فيلم أميركي طويل”، وإن كان هناك أكثر من “أستاذ” لأكثر من “حاجة” تبعاً للمناطق والطوائف والأحزاب.
لم تتغير هذه العلاقة مع الوسيلة الإعلامية مع مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على انتهاء الحرب. وإذا كانت الإذاعات في السابق هي الوسيلة الأكثر انتشاراً فإن محطات التلفزة هي التي تقوم اليوم بهذا الدور. مع فارق بسيط أن المواطن اللبناني لم يعد يستطيع الاكتفاء بمحطة تلفزيونية واحدة ليعرف الخبر ويصدقه. جهاز التحكم بالقنوات لا يكلّ في أيدي اللبنانيين من أجل احتواء الخبر بتفاصيله المملة والممجوجة بالإضافة إلى شروحه التي لا يكلّ الـ “خبراء” بدورهم عن الإدلاء بها وإن ناقضوا أنفسهم أكثر من مرة وخلال أكثر من ظهور على قنوات مختلفة، وخصوصاً الخبراء العسكريين الذين لم يشارك بعضهم في أي عملية عسكرية، وكل ذلك بهدف ملء الهواء المفتوح في تغطية الحرب المفتوحة وتداعياتها بعد قرار مجلس الأمن 1701.
والحال هذه يمكن القول إن بعض الوسائل الإعلامية تحوّل بفعل ذلك إلى “حاجة” لا تعرف شيئاً تماماً كما تحوّل “الأستاذ” في المسرحية السابقة الذكر.