بغداد | أزمة لم تعد خافية على أحد تواجهها الصحف العراقية، خصوصاً تلك غير التابعة إلى أحزاب سياسيّة منذ أن أعلنت الحكومة سياسة التقشّف بسبب انخفاض أسعار النفط والتكاليف اليوميّة التي تستدعيها المعارك الحالية مع «داعش». أولى نتائج هذه الخطة تراجع نسبة الإعلانات التي كانت تصل سابقاً إلى الصحف. تلك الإعلانات كانت غالبيتها تأتي من وزارات ودوائر حكوميّة، ولكن انخفض مستواها مع تقليص النفقات التي شملت أيضاً إغلاق بعض الصحف والفضائيات التابعة لوزارات، وتقييد الايفادات الحكوميّة إلى الخارج.


الإجراء المقابل الذي اتّخذته الصحف للتعايش مع الواقع الجديد، متباين من صحيفة إلى أخرى، لكنّه صبّ باتجاه الاستمرار بأقلّ النفقات، ما ألحق الضرر بمصالح الصحافي. بعض الصحف سرّحت عدداً من العاملين فيها، وأبقت على آخرين محدودين هم رؤساء الأقسام فقط. أما الصحف الأخرى، فقد اقتصر فريق عملها على خمسة أشخاص بوجود مطبعة تابعة لها، للإصدار اليومي من دون كلفة.
الحال التي وصلت إليها هذه الصحف يطرح تساؤلات عدة، منها ما يتعلّق بجوهر بناء هذه المؤسّسات، وهناك توقّعات بإغلاق عدد منها إذا استمرّت حال الإعلانات في التراجع. لكن أين كانت استراتيجية هذه الصحف عندما تأسّست؟ وهل تصوّرت فعلاً أنّ البذخ الحكومي سيكون خالداً أمد الدهر؟ وفي ظل تسريح الصحف المزيد من صحافيّيها، تبيّن الآن فقط السبب الذي دفعها لرفض اعتماد صيغة قانونية للتعاقد بينها وبين الصحافي. هذه الملاحظة المتعلّقة بالجانب القانوني، لم يطالب بها الوسط الصحافي أو يضغط في سبيل إقرارها، فهو أهملها ورضي بمكافأة تشجيعيّة متواضعة تمنح له سنويّاً من الموازنة العامة للدولة. وكلّ بحسب الاتحاد أو النقابة التي ينتمي إليها، وهذه أيضاً ــ تفيد الأنباء ــ بأنّها ألغيت عام 2015 لأسباب التقشّف ذاته.


أكثر من ألف صحافي
مهدّدون بالطرد

بيان جمعية «الدفاع عن حريّة الصحافة» قبل أيّام يؤكّد ما نشير إليه، عندما أعلنت الجمعية أنّ أكثر من ألف صحافي عراقي مهدّدون بالطرد، لتعرّض الصحف المستقلّة لأزمة ماليّة نتجت من الوضع الاقتصادي العام في العراق. الصحف المستقلّة نفسها اجتمعت في بغداد وأصدرت بياناً حذّرت فيه من الانهيار الوشيك، داعيةً إلى «التزام تعليمات وزارة التخطيط الخاصة بضوابط نشر إعلان المناقصات والمزايدات الحكوميّة» (القصد هنا التوزيع العادل أي ألا تذهب الإعلانات لصحف حزبيّة فقط). كما كشفت الصحف أنّها قد تضطر مستقبلاً لـ «الاحتجاب الكامل عن الصدور». ووقع البيان رؤساء تحرير الصحف اليوميّة: «المشرق»، و«الدستور»، و«الصباح الجديد»، و«الزمان»، و«البينة الجديدة»، و«المستقبل»، إضافة إلى المستشار القانونيّ لنقيب الصحافيّين.
صحافيون ومتابعون يرون ما يحصل نتيجة طبيعية لاعتماد هذه الصحف على واردات الإعلانات الحكوميّة التي يبدو أنّ معظمها صار من الماضي، في حين لم تعمل هذه الصحف على تقوية علاقتها في القطاع الخاص ومؤسّساته. كما أنّ رجال الأعمال والمستثمرين لم يعتادوا بناء شراكات واتفاقات مع الصحف ووسائل الإعلام مثلما يحصل في أمكنة أخرى من العالم، إلا في حالات معدودة. نستثني هنا، شركات الهاتف الخلوي التي تمنح إعلانات، وما زالت إلى صحف معيّنة ورئيسة في البلاد، لكسب ودّها وضمان التغاضي عن موضوعات تنتقد خدماتها بين حين وآخر.