هي حتماً حكمة السرّ المدفون في قلب الوالدة التي تعرف أكثر من الجميع عن أطفالها مهما كبروا. تلك باختصار حكاية «السرّ المدفون» (كتابة رضا اسكندر ومحمود غلامي، وإخراج الإيراني علي غفاري، وإنتاج شركة «الأرز»). يدور الفيلم حول قصة عامر كلاكش، أحد أشهر شهداء المقاومة الإسلامية في لبنان والمعروف باسمه الجهادي «أبو زينب» (وهي التسمية التي حملها الفيلم أثناء عرضه في إيران).


كان كلاكش شاباً في عمر الورود (كان عمره 19 عندما استشهد عام 1985) رفض أن يكون عادياً، لذلك لم يكن الفيلم المقتبس عن قصة حياته عادياً كذلك. كان محور الفيلم علاقته بوالدته التي أخفت خبر استشهاده عن والده وبعض إخوته (وأهل القرية) لقرابة عقدٍ ونيف من الزمن (14 عاماً حتى التحرير عام 2000، قائلةً إنه يعمل في الكويت) حماية لهم من بطش الاحتلال الصهيوني وجيش لحد آنذاك كون منزلهم يقع في المنطقة الحدودية المحتلة من لبنان. واجه منتجو الفيلم صعوبات في عرضه في لبنان، فقد صوّر قبل عام ونصف، لكن الصالات المحلية رفضت عرضه في البداية تحت حججٍ مختلفة. ومن بين تلك الحجج أنَّ الناس لا يشاهدون هذا النوع من الأفلام، أو أنّه قد لا يكون على مستوى العرض السينمائي، ليتبيّن لاحقاً أن رفض عرض العمل عائد إلى أنّه مؤيدٌ للمقاومة. لكن في النهاية نجح الأمر وسيعرض الفيلم في الصالات اللبنانية ابتداءً من اليوم.
وكان مخرج الفيلم علي غفاري فجّر مفاجأة عندما قال بُعَيدَ عرض الفيلم في «مهرجان فجر السينمائي» في طهران إنَّ إنتاجه جاء بعد توصيةٍ من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. الأمر عينه أكده الممثل و«منسق الإنتاج في الفيلم» مهدي فخر الدين في حديث لـ «الأخبار»، مضيفاً أنه «يفتخر بدوره في الفيلم الذي يعتبر من أصعب الأدوار». ويؤدّي فخر الدين دور ضابطٍ لحدي يعمل لصالح المقاومة في الخفاء. ويشير فخر الدين إلى «أن الصهاينة ظلّوا مستنفرين معتقدين أنَّ التصوير مجرد خداع لتنفيذ عملية حقيقية لحزب الله». صوّر الفيلم في عددٍ من القرى الجنوبية (شقرا، بليدا، كفركلا، دبين) وفي المسافة صفر الحدودية المشتركة بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة قبالة مستعمرة المطلّة، بحسب غفّاري، وفي ظلّ استنفار صهيوني عند حدود المستعمرة (أثناء تنفيذ مشاهد التفجير مثالاً).


صوّر الفيلم في عددٍ من القرى الجنوبية
وأدى دور الشهيد كلاكش الممثل علي كمال الدين بينما أدت الممثلة اللبنانية كارمن لبّس دور إنصاف والدة الشهيد، بحرفية وإتقان شديدين. كما يرافقها وبنفس الظهور الأدائي عمّار شلق في دور الوالد توفيق. ويبرع باسم مغنية في دور عادل، شقيق الشهيد الذي ينخرط في المقاومة، بعد علاقته بيوسف حدّاد الذي يؤدي دور أبو خليل أحد ضباط المقاومة.
ويتميز أغوب دجورجيان في دور الجندي اللحدي كاره المقاومة. أما شقيقة الشهيد نوال (توفيت بعد استشهاده وهناك إشارة في الفيلم إلى أنَّ الصهاينة قد قتلوها) فقد أدّت دورها بإتقان الممثلة راشيل الحسيني في دورها التمثيلي الأوّل. تقنياً، يأتي الفيلم باللهجة اللبنانية المحكية (لهجة الجنوب تحديداً وأهل المنطقة المحتلة)، وهو أمرٌ يضاف إلى حرفيته العالية إخراجياً.
إذ يظهر علي غفاري عضلاته الإخراجية في أكثر من مشهد، فيستعمل تقنية مثل التبادلية (Transition) في أكثر من مكان. كما ينقل كاميرته بين ما سوف يكون وما حدث. «السرّ المدفون» فيلم يستحق المشاهدة لأسبابٍ كثيرة منها: الإخراج المحترف، القصة المسبوكة، الاداء التمثيلي العالي، فضلاً عن سرعةٍ في تحريك الأحداث، وإن عابه قليلاً تعقيد السيناريو وتقريريته في بعض الأحيان.

* «السرّ المدفون»: بدءاً من اليوم في صالات «غراند سينما»