في كتابه «حكايات الأغاني» (دار رياض الرّيس) خلاصة حبه للشعر والموسيقى. فارس يواكيم (1945) مستمع مدمن وقارئ نهم للشعر، ما دفعَهُ الى تناول القصائد العربية التي لُحّنت وأصبحت أغنيات، وإلى رصد التغيرات التي رافقت هذه القصائد في رحلتها من الديوان الى الأسطوانة. في متابعته لهذه الرحلات، اكتشف يواكيم أبياتاً لأحمد شوقي غير موجودة في جميع دواوينه في كل طبعاتها. كما اكتشف أغنيات لشعراء ما كان ليتصور أن أبياتاً لهم قد لحنت، مثل خليل مطران، وبولس سلامة وعباس العقّاد. طبعاً، تحتّل أم كلثوم المرتبة الأولى في طلب التغيير. كما أن نزار قباني هو أكثر الشعراء الذين أعادوا صياغة قصائدهم لتتناسب ومقتضيات الغناء، فمن يقرأ «قارئة الفنجان»، ويسمع الأغنية مثلاً، يكتشف بالتالي الفوارق.
سنوات طويلة من الغربة عاشها يواكيم، آخرها ألمانيا، حيث عمل في إذاعة «دوتشه فيله» وتولى لفترة رئاسة القسم العربي فيها. اليوم، هو متفرّغ لتأليف الكتب، فمشاريع الكتب عنده تراوده منذ زمن بعيد، وعلى هذا الأساس يخوض اليوم النشر؛ ومن ضمنه سبع مسرحيات من كتابته.
الرجل الموسوعة في عالم الفن، كانت له بداياته وشؤونها وحظوظها وتعبها. عنها يقول: «منذ مراهقتي عشقت السينما وأدمنت الأفلام. كان المنتج السينمائي روفائيل جبور نسيباً لوالدتي، وأتاح لي فرصة حضور تصوير بعض الأفلام التي يُنتجها أو يدير إنتاجها. حضرت تصوير بعض مشاهد «يوم من عمري» (عبد الحليم حافظ وزبيدة ثروت) و«مع الذكريات» للمخرج سعد عرفه (أحمد مظهر ونادية لطفي ومريم فخر الدين)». أجواء تصوير الأفلام سحرت يواكيم، ما دفعَهُ الى التقدم لامتحان القبول (الإخراج) في المعهد العالي للسينما في القاهرة حيث كان طالباً متفوقاً لأربع سنوات بتقدير جيد جداً وترتيب الأول على المتخرجين.

بقي شوشو متمسكاً بي حتى آخر لحظة من حياته، واليوم أتفرّغ للتأليف (ف. ي.)

بعد تخرجه، أتى يواكيم الى بيروت وفي يقينه أن فرصة الانطلاق منها أسهل من القاهرة التي ازدحم سوق العمل فيها بالمتخرجين، فضلاً عن المتخرجين المحترفين وما أكثرهم حينذاك. صدمتهُ الأولى كانت بعد طوافه على مكاتب المنتجين، عارضاً شهاداته وطموحاته، ليسألوه دائماً: «شو أخرجت من قبل؟». كان ينبغي ليخرج فيلمه الأول أن يكون قد أخرج فيلماً من قبل، مُتذرّعين بالقول: «لا نغامر مع مخرج لم نر له أفلاماً».
ما لبثت حرب 1967 أن اندلعت ــ يقول يواكيم ــ وتوقف الإنتاج الفني. و«كان عليّ أن أجد عملاً. شجعني أنسي الحاج وفتح لي باب الكتابة في ملحق «النهار»، حيث بدأت أكتسب صفة الناقد وأصبحت مهنتي لاحقاً، في «الجريدة» وفي «الديار»، وكان ينشرهما جورج سكاف، الى أن جرفني العمل الصحافي ولم أكتف بالنقد الفني، بل انغمست في الصحافة السياسية أيضاً».
نجمة التلفزيون المصري ليلى رستم التي كانت مقيمة في بيروت آنذاك، سألت يواكيم إن كان عنده فكرة لبرنامج تقدمه هي في التلفزيون اللبناني، فكان برنامج «سهرة مع الماضي» الذي أصبح مفتاحاً لشهرته بفضل تشجيع رستم له. هذا البرنامج الذي أعدّه، نال شعبية كبيرة استفاد منها يواكيم بلا شك.
أعاد المنتجون الكرّة معه لأجل كتابة السيناريوات، وكان قد عمل قبلاً مساعداً للمخرج هنري بركات في فيلم «الحب الكبير» (فريد الأطرش، وفاتن حمامة) ولم يكمل الشوط حتى النهاية. عرف يواكيم مساعدي إخراج هرموا، ولم تُتح لهم فرصة الترقي الى رتبة مخرج. لذلك، قبل فكرة كتابة السيناريو، فكان الفيلم الأول «الضياع» (1971) للمخرج محمد سلمان (سميرة أحمد، رشدي أباظة، عماد حمدي ونادية الجندي). لكن الفيلم اختلف عن السيناريو المكتوب لظروف عديدة في الإنتاج. مع ذلك، فتح له الطريق الى السينما. بعده جاء «واحد زائد واحد» إخراج يوسف معلوف، وبطولة دريد لحام ونهاد قلعي. سينعكس ذلك في تعاون لاحق مع دريد لحام، وشوشو! يقول يواكيم: «بدأت التعاون مع شوشو في السينما. كان صديقي على الصعيد الشخصي. كان شوشو شريكاً في إنتاج «فندق السعادة». حين شاهده المخرج فطين عبد الوهاب على المسرح، أذهلهُ أداؤه ورفض أن يكون له دور صغير في الفيلم، فعكف على تعديل السيناريو ليصبح الدور الرئيسي لشوشو. احتاجوا الى من يكتب الحوار الذي نصفه مصري ونصفه الآخر لبناني، فكلفت أنا بهذه المهمة. كانت هذه بداية التعاون مع شوشو، صاحب الفضل الكبير أيضاً في شهرتي. منذ تعاوني الأول معه، بقي متمسكاً بي حتى آخر لحظة من حياته. كتبت له 12 مسرحية، الأخيرة منها لم تُعرض بسبب وفاته، لكنه كان قد تمرّن عليها مع المخرج يعقوب الشدراوي، إضافة الى مسلسلين للتلفزيون؛ أحدهما «المشوار الطويل» الذي حصد نجاحاً كبيراً. شوشو قدمني الى روميو لحود، وكان يستعد لإخراج «مهرجان الأرز» سنة 1971. طلب مني لحود أن أكتب نصاً مُستوحى من إحدى قصص جبران، فكانت مغناة «العواصف» من بطولة صباح، مفتاح دخولي الى المسرح الغنائي. بعدها كلفتني صباح بكتابة «الفنون جنون» من إخراج برج فازليان.
في جعبة فارس يواكيم حكايات أخرى؛ منها علاقته بوسيم طبارة الذي أدخله الى عالم الشانسونييه، وطلب إليه كتابة اسكتشات فرقة «السيغال» (إيفيت سرسق) الى أن تولى المهمة بمفرده بعد زواج وسيم طبارة بصباح.
سنة فارس يواكيم الذهبية التي لا ينساها كانت سنة 1973. أربع مسرحيات عُرضت له في تلك السنة، فكانت فرصة لا تتسنى لغيره فتحت أمامه أبواب العمل في العالم العربي، فكانت الكويت المحطة الأولى مع كتابته أول مسلسل عربي للأطفال (غير مدبلج)، الى غيره من مسلسلات الأطفال؛ أشهرها «افتح يا سمسم».