بيار أبي صعب

الذين يتوقّعون، مساء الأحد، مفاجآت ثوريّة في صناديق الاقتراع الخاصة بالانتخابات البلديّة في بيروت، لا تنقصهم السذاجة. التغيير أكثر من trend (صرعة)، أكثر من وجوه محبّبة وشعارات برّاقة وأفكار نبيلة وخطاب «مدني». إن حراكات «الفلاش موب» لا تفعل أكثر من إجهاض مشروع التغيير. و«الاستعراض البديل»، كما نتابعه هذه الأيّام على الشاشة، مناسبة اجتماعيّة لطيفة في أفضل الحالات، يشبه حفلة صاخبة على طريقة وودستوك. لكنّه في المعترك السياسي، لا يخلق معارضة، بل يؤمّن «سنّيدة» يدعمون بشكل أو بآخر البطل المطلق، البطل الأوحد، إذ يمنحونه المبررات الشرعيّة والغطاء الديمقراطي. هكذا يلتقي نجوم «الاستعراض البديل» وحرّاس «النظام القديم»، عبر تحالفات قيم ومصالح. تحالفات مباشرة أو غير مباشرة، مخطط لها أو… عفويّة!

من يقرأ شعار «لَتِبقَ بيروت لأهلها»، يشعر أن العاصمة معرّضة للغزو، والـ sherif
جمال عيتاني سينقذها

حين اختار سعد الحريري مرشّحيه لإدارة شؤون المدينة، كنا نعرف أنّه أدخلهم إلى بلديّة بيروت. وانتهى الموضوع. وليست المدن والبلدات الأخرى أفضل حالاً طبعاً، يختلف البارونات فقط! البطل الأوحد محصّن خلف منظومة زبائنيّة مافيويّة، وخطاب مهيمن، وبنى عائليّة وعشائريّة، وعصبيّات قروسطيّة. البطل الأوحد واثق من قوته وطغيانه: فهو من يحرّك الدمى (ومن ضمنها الاعلاميون)، و«يتبارى» على ملعب بناه بمعاييره وعلى قياسه، ويزدهي وسط هتافات الكومبارس الذين انتجهم وربّاهم وبرمجهم لخدمته وحماية سلطته. ألا يعرف نجوم «المجتمع المدني» أن البطل الأوحد راسخ رسوخ النظام السياسي الطائفي - المافيوي - الاقطاعي؟ وأن اجتثاثه ليس عرضاً أدائيّاً، ولا محاضرة جامعيّة، بل معركة ضارية تتطلّب نفَساً طويلاً وأدوات سياسيّة؟ خذوا الحملة الاعلانيّة لقائمة «المستقبل» مثالاً. إنّ نظام الوصاية المطلقة الذي يُحكِم علينا الخناق، يتجلّى ببلاغة في هذا الخطاب الترويجي: «لائحة البيارتة» تنضح بما فيها. ليس اسمها الغريب فقط، بل الشعار المقلق الذي رفعته: «لَتِبقى بيروت لأهلها»!
بيروت وأهلها يشهدون الآن مسرحيّة تراجيكوميديّة (نعرف خاتمتها سلفاً)، تتخذ شكل مبارزة بين ناخبين افتراضيّين، وناخبين أفرزهم الواقع بكل بناه الاجتماعيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. #بيروت_مدينتي يقول الشعار التقدّمي البديل. لمن يعود ضمير المتكلّم هنا؟ للنخب المدينيّة المرفّهة والمتعلّمة، المترفّعة عن الطائفيّة والفساد، لكن ليس بالقدر الذي يسمح لها بالقطيعة مع النظام السائد الذي تستفيد منه؟ #بيروت_لأهلها يقول الشعار السلطوي المهيمن. تُرى من هم «أهل» بيروت؟ أي عاصمة لأي وطن، تلك التي تقصي معظم سكانها على أساس «نقاء» مشبوه؟ واذا اعتمدنا هذه المعايير الانعزاليّة المتخلّفة، هل «الشيخ» سعد «بيارتة» أصلاً؟ مواطن فرنسي وُلد وعاش في مدينة بوردو، على سبيل المثال، يكفيه عقد ايجار في باريس، او فاتورة كرباء، كي يصبح باريسياً، ويتسجّل على لوائح الشطب في بلديّة حيّه الجديد. فكيف يصبح البيروتي الاقامة والانتماء والهوى من «البيارتة»؟
من يقرأ شعار «لَتِبقى بيروت لأهلها» (بالعاميّة)، يشعر أن العاصمة معرّضة للاحتلال أو الغزو، ويتخيّل أن حفنة من الأبطال جاؤوا على أحصنتهم، بقيادة الـ sherif جمال عيتاني، لتحريرها والذود عن حماها! نعم الطبقة الشعبيّة والطبقة الوسطى في بيروت مهدّدتان، تتعرّضان إلى التهجير الممنهج، لكن على يد تماسيح العقارات الذين تمثّل «لائحة البيارتة» مصالحهم خير تمثيل. هؤلاء هم من يطرد أهل بيروت إلى عرمون وبشامون. شيئاً فشيئاً يطردون البيارتة، أي سكّان بيروت الفعليين منذ أجيال، أيّاً كان مذهبهم وانتماؤهم. يطردونهم، إلى الضواحي والمدن والبلدات البعيدة، لتفقد بيروت روحها، ويزدهر فيها اقتصاد الكاباريه والمقاولات والمضاربات العقاريّة، تركة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
«لِتبقَ بيروت لأهلها»؟ يا له من شعار! الاعلان الناجح يخفي عادةً عيوب البضاعة التي يروّج لها، ويخترع كل المحفّزات والأوهام والرغبات والتمويهات اللازمة، كي يقنعنا (يشعرنا) أن تلك البضاعة استثنائيّة ومميّزة وفريدة. أما مصممو إعلان «لائحة البيارتة»، فيجعلون من فساد بضاعتهم محفّزاً تسويقيّاً. يستعملون العنصريّة والمذهبيّة، التعصّب والخوف، كعوامل جذب واستقطاب. إنّها شعريّة الفجور، قادرة على تحويل عاهاتنا الجماعيّة إلى قيم وطنيّة سامية. وكما درجت العادة، تأخذنا الرائحة النتنة إلى النشوة، فإذا بنا نسجد بخشوع للجيفة الأعظم التي تسرق أموالنا، وتصادر حقوقنا، وتستولي على الفضاء العام. بيروت مدينة الأوباش والسماسرة والضحايا الصاغرة؟