في باكورتها الروائية الأولى «3000 ليلة» (الأخبار 25/1/2016 ــ 5/1/2016)، تقدم مي المصري عملاً لافتاً بصلابته وتماسكه، منتقلة بيسر من الوثائقي إلى الروائي. نقلة ليست بديهية، شهدت تعثر العديد من المخرجين. ربما ما جعل تجربتها أكثر نجاحاً هو تجاربها الوثائقية السابقة، التي كانت جماليتها تنبع دوماً من سردها الذي يقارب الروائي في إيقاعه وقدرته على التقاط تفاصيل يوميات الحيوات الأكثر اعتيادية وتحويلها إلى سينمائية. الشخصيات كانت دائماً أساسية في عملها الوثائقي، مبرهنةً عن قدرة على الولوج إلى حميميتها ودواخلها كما نرى في «أطفال شاتيلا» مثلاً. الأطفال بعين مي، ينتصرون دائماً بقدرة خيالهم التي تشبه عمل السينما، في الهروب من الواقع مهما كان أليماً. لا بد من أن التحدي الأكبر للمخرجة في هذا الشريط، كان تصوير عالم الكبار حصرياً. هي لطالما برعت في تصوير العالم الطفولي، إلى درجة ارتبط اسمها به. عبر هذا الفيلم، تدخلنا المصري إلى عالم السجينات عبر قصة البطلة ليال (ميساء عبد الهادي) التي تسجن لأنها ساعدت في تهريب شاب فلسطيني متهم بقتل جندي إسرائيلي في نابلس. في السجن الذي يجمع سجينات إسرائيليات وفلسطينيات، تعيش ليال تجارب تمتحن قدرتها على الصمود، لكن أيضاً تحولها إلى بطلة من دون أن يكون ذلك في الحسبان.
تشرح مي المصري

بدقة القمع الذي تتعرض له المعتقلات الفلسطينيات

ليال التي تتغير حياتها بين ليلة وضحاها إثر مساعدتها بالصدفة شاباً مجهولاً لا تعرفه، تسجن وتعذب، من أجل الاعتراف بحقيقة حتى هي تجهلها. ليس المطلوب من ليال مقابل إطلاق سراحها إلا أن تتبرأ من معرفتها بالشاب الذي لا تعرفه أصلاً، وأن تدعي أنه تهجم عليها وفرض عليها مساعدته. يضغط زوجها وسجانها، الاحتلال الإسرائيلي، معاً عليها لادعاء ذلك. على ليال أن تختار بين موقفها الأخلاقي من هذا الإنسان الذي لا تعرفه، وحياتها وحريتها وزواجها. تختار قول الحقيقة التي تؤدي إلى سجنها 8 سنوات. هذا التفصيل الصغير الذي يغير حياتها، هو بمثابة المفتاح الذي يودي بها إلى استكشاف نفسها وهويتها، وتحقيق استقلاليتها. بعد اكتشاف أنها حامل في السجن، وتخلي زوجها عنها، تتعرف إلى نساء فلسطينيات أخريات مقاومات. تبدأ بالتماهي معهن، فتنتقل تدريجاً من حالة الانهيار والاستسلام إلى التصدي والمواجهة. أيضاً، تتعرف إلى سجينات إسرائيليات يعاملنها أفضل من الفلسطينيات. رغم العداوة بين الاثنتين، فظروف السجن المشترك والجانب الإنساني يخلقان رابطاً من التضامن بين ليال وسجينة إسرائيلية مدمنة للمخدرات. لعل أكثر ما يميز بطلة كليال، براءتها الكلية، فهي ليست قادمة من أي خلفية سياسية أو نضالية، والسجن هو الذي يصقل أفكارها ويكوِّن هويتها. تشرح المخرجة بدقة عالم السجن والقمع الذي تتعرض له السجينات الفلسطينيات، ومحاولة تأجيجهن الواحدة ضد الأخرى لتفكيك وحدتهن، إلى جانب التفاصيل الصغيرة التي تصبح أساسية للاستمرار كالرسائل التي هي صلتهن الوحيدة بالحياة في الخارج، أو الثورات التي يقمن بها كالإضراب عن الطعام الذي يجابه بعنف غير مسبوق من الشرطة الإسرائيلية، ومحاولة إخضاعهن بأي وسيلة. هذه الثورات الصغيرة هي وسيلتهن الوحيدة للصمود، والتمسك بالهوية والأنا التي يسعى الاحتلال إلى تحطيمها ومحوها. تشرح المخرجة بدقة كل هذه التفاصيل، فيما تأتي شخصياتها مشغولة بعناية وصدقية، سواء الفلسطينية أو الإسرائيلية، في بنائها الروائي كما في أداء الممثلين. تنسج جمالية خاصة ومتناغمة داخل عالم وديكور السجن المغلق والمعتم الذي يتماهى مع الجمالية السينمائية، بالاشتراك مع المصمم الفني للفيلم حسين بيضون، إلى جانب التفاوت بين العتمة والضوء الآتي من الخارج، ورمز العصفور الذي يخرج من الحائط ليستحيل حقيقة. رغم أنه رمز مكرر، إلا أنه مشغول بتقنية وجمالية استثنائية. مشكلة الفيلم الوحيدة أنه قد يقترب قليلاً من الميلودراما في بعض زواياه من دون أن يقع فيها تماماً، بخلاف أعمال المخرجة الوثائقية. رغم قسوة المواضيع المتناولة، تميزت هذه السينما دائماً بتجنبها هذه النمطية في تناول القضية الفلسطينية.

* «3000 ليلة» بدءاً من الغد في الصالات اللبنانية