قبل ستّ سنوات، وتحديداً في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على مصادرة الشرطة التونسية عربة الخضار التي يسترزق منها. أحرق نفسه، وقضى ليشعل بعد ذلك انتفاضات شعبية بدأت من تونس، وامتدت إلى مصر وليبيا وغيرهما من البلدان التي لفحتها انتفاضات أسقطت أنظمة سياسية هرمة شاخت على كرسي الحكم، وأمعنت في مصادرة أبسط حقوق المواطن. هذه الانتفاضات التي كان لها أثر مباشر على ميدان السياسة، أعادت فرز مشهد مختلف ألغى سياق العلاقة القمعية بين الحاكم الأبدي والمحكوم، وأرست في بعض البلدان نوعاً من الديمقراطية، وفي أخرى نوعاً من الفوضى والخراب، وهي تحاول شقّ الطريق مجدداً إلى عتبة الوطن والمواطنية. هذه الحركات الشعبية أيضاً، دخلت مباشرة على خط الإعلام، الذي كان لمعظمه الدور في نجاحها أو التلاعب بها وتسييرها وفق أجندته السياسية. الانتفاضات الشعبية أدخلت مهاماً جديدة إلى الإعلام، وغيّرت في وجهة أخلاقياته وسلوكياته، ووضعته تحت سيل من الأسئلة والإشكاليات المهنية والمصيرية. ساهمت في ذلك، التطورات التكنولوجية والاتصالية التي اجتاحته ووضعته أيضاً أمام أسئلة تتعلق بمصيره لا سيّما التقليدي منه، إذ بدأ الكلام عن «خطاب النهايات»، كما يحبذّ الأكاديميون توصيفه، أوله نهاية الصحافة الورقية.
حديث عن «خطاب النهايات» أوله نهاية الصحافة الورقية


هذا المشهد الإعلامي والسياسي المضطرب، والحامل لإشكاليات عدة، تحتاج إلى إجابات ومقاربات شافية، أوجدت له «الجامعة اللبنانية» وتحديداً «كلية الإعلام» بالتعاون مع فريق «دال» للدراسات الإعلامية، الحاضنة الأكاديمية والمهنية عبر مؤتمر «الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحولات» الذي عُقد أخيراً في أحد فنادق بيروت، وسط جمع من الباحثين والإعلاميين وطلاب الدراسات العليا، العرب واللبنانيين. مؤتمر أريد منه إعادة تسيير هذه الإشكاليات على طارحيها بداية، وعلى الباحثين/ات أنفسهم/ن للوصول إلى «أماكن التغيير» وفق ما قالت منسقة المؤتمر أستاذة الإعلام نهوند القادري.
في مداخلة لها بعنوان «مكابح التغيير الكامنة في بنية المنظومة الإعلامية والاتصالية الراهنة»، رأت القادري وجود معوقات تحول دون حصول أماكن التغيير من أبرزها: تبعية الصحافة إلى مصادر السلطة السياسية للاستحصال على الأخبار، وهامش الحرية الضيق للصحافيين وعامل الوقت الضاغط عليهم، بالإضافة إلى عمل الصحافيين الذي بات اليوم يشبه عمل النخب السياسية، والهيمنة الاقتصادية الرأسمالية التي تحوّلت ثقافة تتحكم بهذا الميدان، وزاد الطين بلّة تحالف الإعلام مع السلطات الاقتصادية.
حاول المؤتمر رسم خارطة للواقع الإعلامي العربي المتغيرّ على وقع «الثورات»، وعلاقته بالسياقين الاجتماعي والسياسي، من خلال مداخلات باحثين آتين من بلدان شهدت انتفاضات شعبية كمصر، وتونس، وأخرى تداركت نسائم التغيير، فأجرت تعديلات دستورية جذرية كالمغرب، ومن لبنان الذي شهد أخيراً حراكاً اجتماعياً، لكن الإعلام داخله «عجز عن إحداث التغيير»، رغم المواكبة المستمرة له، وعجز أيضاً عن محاسبة الفاسدين رغم فضحه للعديد من ملفاته كما أردف عميد «كلية الإعلام» في «الجامعة اللبنانية» جورج صدقة. في الجلسة الافتتاحية، قدم صدقة جردة موجزة عن وضع الإعلام العربي الذي «وضعت الأنظمة السياسية يدها عليه»، واستخدمته للدعاية السياسية، ثم مرحلة الثورات العربية (2011) التي قلبت المشهدين الإعلامي والسياسي على حدّ سواء.
لعلّ مصر، البلد الذي شهد على ثورتين متتاليتين في أقل من أربع سنوات، تُعدّ من أكثر التجارب غنى وحاجة للبحث والتفحص. من هنا، تمت استضافة أستاذ الإعلام الدولي في كلية الإعلام (جامعة القاهرة) سامي الشريف، الذي تولى منصبي رئاسة «اتحاد الإذاعة والتلفزيون»، والقائم بأعمال وزير الإعلام بعد سقوط نظام حسني مبارك. وانطلاقاً من هذا الدور الرسمي، كان الشريف شاهداً على ضعف الإعلام الرسمي وغياب ثقة المصريين به. ركز الشريف في حديثه على الإعلام الخاص (100 قناة)، الذي يمتلكه رجال أعمال، وظاهرة برامج الـ «توك شو» التي توزعت بين برامج ساهمت في إسقاط نظام مبارك (مع سقف محدّد)، وضمت لاحقاً مَن أسماهم دخلاء على مهنة الإعلام. سرد الشريف لزئبقية الإعلاميين على الشاشة وتلوّنهم تبعاً للحدث السياسي، بين مناصرة مبارك، ولبس لباس الثورة بعده، ومطبّلين للإخوان المسلمين ومهللين فيما بعد لسقوط محمد مرسي.
إذاً، تحوّلات إعلامية كبرى، وشعبية وسياسية عرفتها المحروسة في مدة زمنية قليلة. وقبلها، شهدت تونس ثورة سلمية أسقطت النظام الديكاتوري وأنشأت دستوراً جديداً، ونصوصاً متقدمة بشأن الحريات العامة والخاصة، لكنّها لم تنسحب على القطاع الإعلامي، وفق ما جاء في مداخلة الأستاذ في «معهد الصحافة وعلوم المعلومات» في تونس عبد الكريم الحيزاوي. إذ أبقي على القنوات الخاصة التي شكلت أذرعاً إعلامية «لنظام بن علي».
وبعدما قدم ناشر «السفير» الصحافي طلال سلمان، العزاء للصحافة ونعاها، أكدّ على العلاقة الوطيدة بين الإعلام والسياسة. الحديث عن هذه العلاقة بين السياسة والإعلام وإشكالياتها تحدّثت عنها أستاذة الإعلام في «جامعة عين شمس» المصرية حنان يوسف وعن التأثيرات السلوكية والسياسية لوسائل الاعلام، داعية إلى ردم الهوّة بين الواقعين المهني والإعلامي.
الصحافة الورقية التي هدّدها غول التكنولوجيا، توزّعت في هذا المؤتمر بين آراء متناقضة بين مسلّم بحتمية نهايتها، ومتفائل بصمودها بفعل عملية التأقلم التي حدثت مع الإعلام الجديد. أزمة بدأ الحديث عنها بشكل مطرّد بعد إعلان «السفير» إقفالها في آذار (مارس) الماضي، ما أربك المشهد الإعلامي اللبناني ككل، فانطلق ضخ التكهنات حول مصير الصحافة المكتوبة. أستاذة الإعلام في «اللبنانية» وفاء أبو شقرا، كانت الأكثر تفاؤلاً في تأكيدها على صمود الإعلام الجماهيري (التلفزيون) أمام الزحف الرقمي، وحاجة كل وسيط منهما إلى الآخر. وتساءلت أبو شقرا: «هل كانت «داعش» لتكون لو ظل التفاعل معها مقتصراً على الـShare و like؟». هذه الصحافة المكتوبة المهدّدة اليوم بمصيرها، فنّدها أستاذ الإعلام في «الجامعة اللبنانية» راغب جابر في بحث شمل جميع الصحف اللبنانية (مانشيت+ مضمون) مع تركيز على الأكثر انتشاراً بينها، ليخلص إلى نتائج عدّة أبرزها تأكيد تحوّلها من صحف لبنانية إلى أخرى حزبية طائفية تابعة سياسياً للداخل وللإقليم، وانخراطها في الصراعات والحروب وتحوّلها إلى أدوات دعائية سلبت منها حريتها وتنوعها.
تخللت مؤتمر «الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحولات»، شهادات لتجارب مهنية في حقول الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، في محاولة لتقديم رؤية ووجهة نظر تنطلق من العمل المهني. الصحافية في «السفير» سعدى علوّه، تحدّثت عن أهمية شراكة الإعلام في القضايا الحقوقية، ونجاحه في تحقيق خرق في قوانين وأحكام كانت بعيدة التحقيق. الصحافي في «النهار» نبيل بو منصف رفض تعميم الخط الأحادي في الصحف اللبنانية، وتحدث عن أزمة سوق الإعلانات بعد الثورات العربية، وكيفية تأثيرها المباشر على صحيفته. لكن في المقابل أقرّ بوجود تمويل سياسي، مبدياً قلقه بخصوص المرحلة المصيرية للصحافة الورقية اليوم. أما مدير عام «إذاعة النور» يوسف الزين، فكان متفائلاً أيضاً بالدور الإذاعي وصموده في وجه الغزو الرقمي، عبر مواءمته للأخير وإستثمار الكوادر الشبابية بهدف إحداث التغيير.
إذاً ثلاثة أيام من العرض والنقاش، احتضنتها «الجامعة اللبنانية» ضمن مؤتمر «الإعلام العربي وأسئلة التغيير في زمن التحولات»، تفاوتت فيها المقاربات البحثية والمهنية بين المحاضرين، وانقسمت فيها الآراء حول نقاط سجالية ملتصقة اليوم بمصير مهنة الإعلام. كان هذا المؤتمر بمثابة نقطة مضيئة في سجل هذه المهنة، لمحاولة وضع إشكالياتها وارتباطاتها السياسية والاجتماعية على سكة الطرح، والتشريح كمقدمة لإيجاد الحلول.



ثلاثة أبحاث


رغم أهمية الأوراق البحثية التي قدّمها الأكاديميون المشاركون في المؤتمر في خلاصاتها والجهد الذي استثمر لإنجازها، إلا أنّ ثلاث مداخلات ترواحت بين البعدين الأكاديمي والمهني، حظيت بتفاعل عال في اللقاء. الإعلامي والكاتب سامي كليب الذي اختار عنونة مداخلته «ربيع العرب وخريف إعلامهم»، حاول قدر الإمكان تقديم خبرته الصحافية ومتابعته لملفات سياسية وإقليمية ساخنة. بدأ الحديث تدريجاً عن بداية الحراك الشعبي في العالم العربي، ودور قناة «الجزيرة» القطرية فيه قبل أن ينحرف بشكل جذري بعيد الحدث السوري. هنا، طرح كليب إشكالية: «هل كان الإعلام مؤججاً لهذه الحركات، أم مطية لمشاريع سياسية؟». وبعد تفنيده ظاهرة «الجزيرة» (1996) التي «كسرت المحرّمات» برأيه، وقناة «العربية» التي سبقت ولادتها في عام 2003 الغزو الأميركي للعراق بأسبوعين، أعاد كليب ترسيم المشهد الإعلامي الفضائي بعيد «الربيع العربي»، الذي كانت أولوياته في مكان آخر، وانقسم إلى محورين إثر الأزمة السورية.
الإعلام الحديث، والبحث في بعض مفاصله، ومحاولة تشريح ظواهره والسلوكيات التي أرساها، برزت في الورقتين البحثيتين اللتين قدمتهما أستاذتا الإعلام زينب خليل والزميلة مهى زراقط. عرضت الأخيرة لدراسة أجرتها في شهر شباط (فبراير) الماضي، عن موقع تويتر وعلاقة السياسيين اللبنانيين به (زعماء الصف الأوّل وأعضاء الحكومة اللبنانية). وبعد تفنيد التغريدات والمتابعة follow، خلصت الباحثة إلى اعتبار أنّ تويتر لا يعدو كونه ساحة لإظهار المواقف البطولية واللهاث خلف الاستحصال على الشعبية، وبث المزيد من الشخصنة والمسرحة وتسجيل إنجازات «على حساب الحقيقة»، وسط غياب لأي تواصل والوقوف عند آراء المغرّدين المتفاعلين.
«الصحافيون اللبنانيون ومواقع التواصل الاجتماعي بين التطوير المهني والترويج الذاتي»، كان عنوان بحث زينب خليل (من 1 إلى 22 نيسان/ أبريل الماضي). خاضت الباحثة في إنشاء الإعلاميين لصفحات خاصة بهم على موقعي تويتر وفايسبوك، وكيفية استخدامهم هاتين الشبكتين، وعدم استغلالهم لهما لتطوير عملهم، واكتفائهم بالترويج الذاتي، وبناء صورة الذات (EgoBranding)، وبالتحديد الصحافيين الذين يعملون في التلفزيون ويتصرّفون كنجوم على الشاشات. ومن نتائج هذا البحث أيضاً، دوران هؤلاء الصحافيين في فلك الاتجاه السياسي الواحد وغياب التعدّدية في الآراء لا سيّما على صفحاتهم الافتراضية الخاصة.