بعد سلسلة عروض قدمتها في فرنسا، تعود «مجموعة كهربا» إلى لبنان لتقدم عملها الجديد «مشاهد من دموعنا» للمخرج اريك دنيو، ضمن إطار «مهرجان الربيع». إنه عرض بصري وشاعري، يضع كينونة البشرية منذ آلاف السنوات على الخشبة. استند العرض إلى نص الكاتب الروماني ماتيي فيشنك (Matei Visniec) الذي قدم نسخته الخاصة عن حكاية أيوب، الشخصية التي وردت في الكتب السماوية. على اختلاف تفاصيل وقيم حكاية أيوب، يبقى الصبر والتأمل العامل المشترك الجامع والمتبقي في الذاكرة الجماعية. ماتيي فيشنك عمل على نص يشبه إلى حدٍ كبير الحكاية الفلسفية (conte philosophique)، التي لا تخلو في الوقت ذاته من نفس ملحمي مفعم ببراءة الأطفال. قدم الكاتب تصوراً جديداً لشخصية أيوب: هو إنسان وليس نبياً. كل ذنبه وآلامه مردّها إلى مجرد فكرة أنه آمن بالإنسان.
مشهدية العرض الأخاذة تضمنت خزانة خشبية خضراء ومجسمات منازل بيضاء وأقمشة وسنابل قمح

يبدأ العرض بباب خشبي ينكسر ثم تخفت الإضاءة. هذا الباب ذاته يتحوّل إلى خزانة حاملة لكثير من الدلالات تتبدل استخداماتها في سياق العرض. ثم تسقط دمية يكتشف المشاهد لاحقاً أنها أيوب، يرافقها تسجيل للنص بصوت المسرحي اللبناني روجيه عساف. يرافق العرض عزف حي على الكمان (دومينيك بيفاريلي) حيث تتحرك الأكسسوارات لبناء مشهدية شاعرية، فائقة الجمالية: غالباً ما تسبق الموسيقى مساحة الكلام، وهذا كفيل بنقل الكودات البصرية إلى المشاهد، مرفقة بانفعال نابع من أنغام الكمان. بعدها يأتي سرد الحكاية ليضفي دفئاً، لا لتفسير الشق البصري في العرض فحسب، حيث لا تقتصر روحية النص على إضفاء نفس شاعري، بل يتعدى ذلك ليلامس حكمة ما. النص يبدأ بنفي الحكاية بحد ذاتها، نفي آت من عدم وجود الكلمات وغياب من يسمعها: «لا، هالكلمات منّها موجودة... ما حدا بيسمع كلمات ولا مرةّ انقالت وولا مرّة انكتبت... هي أفكار مشنّجة. ما حدا فيه يسمعها... رح يبلعها الظلام، للأبد. إنتو اللي عم تسمعوه هلّأ هو براسي. بدماغي، دماغي بير مهجور. بير مسمّم. مهوار. لا ما تقولولي إنكن عم تسمعوا هالكلمات. كلماتي الأخيرة. أفكاري الأخيرة. هي أفكار خِطرة، مشؤومة. يمكن تئذيكن. تتضايقوا منها. لأنّي أنا، بآمن بالإنسان. أنا مؤمن بالإنسان هايّاني قلتها». هذا المقطع الذي يأتي في بداية النص وينمّ عن تردد أيوب في البوح، سرعان ما تتبدل ملامحه لتنقل مسار أيوب مع الإنسان: يزوره، في مراحل متقطعة، ثلاثة رجال من الجنوب وثلاثة آخرون من الشمال وثلاثة آخرون من الشرق وثلاثة من الغرب لثنيه بشتى الطرق العنفية عن إيمانه بالإنسان. في البداية قصّوا أصابعه لأنه كتب أن الإنسان جميل، ثم فقؤوا عينيه لأنه رأى أن الإنسان معجزة حقيقية، وثقبوا أذنيه، وقتلوا ماشيته وحرقوا منزله وذبحوا أولاده واغتصبوا زوجته. الحوار الذي يجمع أيوب بالرجال الاثني عشر الآتين بدفعات ثلاثية من الشرق والغرب والشمال والجنوب هو حوار بني بشكل تصاعدي. تتصاعد فيه حكمة أيوب ويتعاظم فيه الخطاب والسلوكيات المتطرفة. «مساحات دموعنا» هو خطاب يسجل موقفاً في وجه التطرف، تحديداً الديني منه: ليس الرقم ثلاثة مجرد صدفة، فضلاً عن مشهد المنقبات الذي يلي حادثة اغتصاب زوجة أيوب. ثلاثة مؤدّين يحركون أيوب (أوريليان الزوقي، ماريليز عاد، دانا مخايل)، دمية كأنها جبلت من الطين. يتحركون بسلاسة ويبرزون أصغر تفصيل في وجه هذا الأخير. يصعب وصف مشهدية العرض الأخاذة التي اعتمدت عناصر بسيطة: خزانة خشبية خضراء، مجسمات منازل بيضاء ذات أحجام متعددة، أقمشة، سنابل قمح. هو أيضاً عرض حافل بعناصر الطبيعة وينقل فصول أناس حملوا بيوتهم على ظهورهم ومشوا. كم شبيهة مشاهد أيوب بما تعيشه الأرض اليوم.