يبلغ الفرح، أحياناً، حداً يجعل المرء يرتجف من الاضطراب. نعم، الخبر يكاد لا يُصدَّق، وفي الوقت عينه هو طبيعي، لا بل بديهي! تفتح العدد الصادر هذا الشهر من أهم مجلة فرنسية متخصصة في الموسيقى الكلاسيكية، فتجد في صفحتها الأخيرة (الصفحة التي نبدأ منها قراءة المجلة لأهمّيتها) صورة صغيرة لأسطوانة ونصاً لن تتخيّله، لإمتاع النفس، في حلم يقظة.

المجلة هي «ديابازون» (Diapason) التي كان شعارها (على الغلاف!) منذ أشهر قليلة: «الرقم 1 في الموسيقى الكلاسيكية»، قبل أن تعتمد شعاراً أقل ادعاءً من ذاك المذكور (هكذا يراه بعضهم ونحن نراه مبرراً جداً): «عشق الكلاسيك، شغف الامتياز». هذه باختصار هوية هذه المجلة الجميلة الأنيقة الصامدة بفضل جبابرتها: موزار، باخ… بيتهوفن والآخرون (مؤلفون). غلان غولد، فلاديمير هوروفيتز، سفياتوسلاف ريختر والآخرون (عازفو بيانو). كارلوس كلايبر، هربرت فون كارايان، فيلهلم فورتفانغلر، والآخرون (قادة أوركسترا). وآخرون كثر.
إذاً على غلاف عددها لشهر أيار (مايو) 2016، وضع محررو المجلة ستة عناوين لملفاتها الأساسية، بينها موضوع الغلاف، وإشارة لملفٍ عن كابلات الصوت. بين المواضيع الأربعة المتبقية، واحدٌ يحمل الإشارة التالية: «جون إليوت غاردينر: الأسطوانات التي طَبعَت حياته». الزاوية هذه، تقع على الصفحة الأخيرة كاملةً، وهي شهرية ثابتة، تحجزها المجلّة لشخصيات ناشطة في عالم الموسيقى الكلاسيكية (منتجون، موسيقيون، مؤلفون، مخرجو أوبرا، مديرو مهرجانات كبيرة أو صالات حفلات مرموقة…). تكون الأسماء عادةً معروفة جداً عموماً أو معروفة جداً داخل المطبخ الكلاسيكي أو مغمورة. لكن الأساطير الحيّة تكاد تكون غير معنية بهذه الزاوية، إذ يندر أن تطلب المجلة من هؤلاء أن يحدّدوا لها ثلاث أسطوانات تعتبرها الأهم في حياتها.

النجمة الأكثر توهجاً وفرادةً ذات نبرة صوت شديدة الحساسية
فالنص يكتبه الضيف، وهو كبير نسبياً (صفحة كاملة)، بالتالي، يدرك محررو «ديابازون» إنه من المحرج التوجّه إلى أسماء الصف الأول عالمياً (والأمر أصعب إن كانوا من فئة الأساطير المسنّة) بهكذا طلب. هكذا، يختار الضيف ثلاثة ديسكات من مكتبته الخاصة، ويرفقها بنص يشرح فيه السبب الذي يجعله «يسحب» هذه الثلاثية من بين آلاف (بل عشرات الآلاف) الأسطوانات التي سمعها في حياته. إنها فعلاً مهمّة شبه مستحيلة، وتدل من دون أدنى شك على أهمية الخيار (موضوعياً وذاتياً). هذا الشهر الصفحة الأخيرة حجزتها المجلة لواحد من أكبر (سناً وقيمةً ومسيرةً) قادة الأوركسترا في العالم اليوم. إنه الإنكليزي جون إليوت غاردينر (مولود عام 1943). الرجل يحمل لقب Sir، الذي يجب أن تُقارب أهميته وقيمته، هنا، من زاوية موسيقية فقط. إن كنتم تعرفون هذا العملاق، فأنتم لستم بحاجة إلى ما يمكن أن نكتبه عنه. وإن لم يكن يعني لكم اسمه شيئاً، فإليكم بـ…غوغل الذي قد يعطي فكرة، ولو سطحية، عن قيمة الاسم الذي نبحث عنه من خلاله. لكن، باختصار، نحن أمام رجل تخطى فئة الصف الأول في الموسيقى الكلاسيكية. قاد أهم أوركسترات العالم، وأنجز تسجيلات بالمئات ومن آخر إنجازاته تأسيسه دار نشر لتنفيذ مشروعه الكبير في إصدار تسجيل كامل للكانتاتات (Cantatas) الدينية التي تركها المؤلف الألماني باخ. وقد اختار غاردينر اسماً لمؤسسته (غير الربحية!) انطلاقاً من التوقيع الذي كان يذيّل به باخ الأعمال في فئة الكانتاتا، أي SDG، وهو اختصار للعبارة التالية: Soli Deo Gloria (لمجد الله فقط). أنجز غاردينر هذا التسجيل الضخم (56 أسطوانة) ونشر بعده كتاباً بعنوان «باخ: موسيقى في قصر السماء».
غاردينر يبلغ اليوم 73 عاماً قضى معظمها في خدمة الموسيقى. عزف أو غنّى بقيادته كبار الموسيقيين والأصوات. مكتبته الموسيقية يمكن أن نتخيّل أنها تضم عشرات آلاف الأسطوانات، وهذا طبيعي لشخصية بعمره وموقعه وأهميته. من بين ترسانة التسجيلات التي مرت في حياته، اختار الرجل ثلاث أسطوانات (وهو خيار محدّد لناحية الرقم 3): الأولى تسجيلات للمؤلف الإيطالي من عصر الباروك، مونتيفردي، بقيادة المعلّمة الفرنسية الراحلة ناديا بولونجيه. الخيار الثاني، تسجيل مرجعي (معروف تاريخياً في عالم الديسكوغرافيا الكلاسيكية) لأوبرا «زواج فيغارو» بقيادة الراحل العتيق، الألماني إيريش كلايبر (والد كارلوس كلايبر، الوارد اسمه أعلاه). وأخيراً: أسطوانة «راجعون» لفيروز. يكتب غاردينر عن خيارَيه الأولَين قبل أن يصل إلى الثالث، حيث يستهل النص بـ: «بدون شك، سوف يصدمكم خياري الأخير». ويتابع سارداً قصته المشوّقة التي نقتطع منها التالي: «عام 1961، كنت في بيروت. وجدت نفسي على مسرح الكازينو عازفاً الكمان (مهنته الموسيقية الأولى قبل التفرّغ لقيادة الأوركسترا) في الفرقة التي كانت ترافق فيروز في حفلتها. كان تحدياً كبيراً لي، إذ كنت أعزف من دون نوتة، وكانت (فيروز) تقوم بتزييناتٍ مرتجلة وعلينا مرافقتها […]. هذه الموسيقية (فيروز) المذهلة، التي تتمتع بأناقة فائقة وبنبرة صوت شديدة الحساسية، هي النجمة الأكثر توهجاً وفرادةً بين النجوم الذين قُدِّر لي اللقاء بهم في حياتي. [إذاً] في اليوم التالي للحفلة، اشتريت إحدى إسطواناتها التي تحوي مجموعة من أجمل أغانيها من توقيع الأخوين رحباني. هذا الصوت ما برح يرافقني منذ ذلك الحين. إنها ذكرى لقاءٍ عابرٍ غير اعتيادي، يجعلك تتخيّل سماوات أخرى».
هذا إذاً ما تركه صوت فيروز وشخصيتها من آثارٍ عميقة وجميلة في القائد الإنكليزي الكبير. آثارٌ لم تمحُها مئات الأصوات التي عمل معها أو سمعها في حياته، هو الذي سمع (أو عمل مع) أفضل ما قدّمه الإنسان في الغناء والموسيقى. أما أسطوانة «راجعون» فتلك حكاية أخرى، قد نجد فرصة للكلام عن قيمتها وأهميّتها في تاريخ الموسيقى العربية.
فيروز، هل تتذكرين عازف الكمان الإنكليزي الذي وقف مع زملائه خلفك في تلك الحفلة؟ إنه اليوم من أكبر قادة الأوركسترا في تاريخ المهنة وهو يحبك. لماذا لا تجتمعا مجدداً، فنرى شيئاً من هذه السماوات التي ختم بها كلامه فيكِ؟