يبدو أننا أمام نظام لا يريد لأحد أن يتكلم. هكذا تدلّ كل المؤشرات، فلا صحافة ولا تلفزيون ولا إذاعة ولا غناء ولا حتى إنترنت. يوم الثلاثاء، قُبض على فرقة «أطفال الشوارع»، وهم مجموعة من الشباب يعدّون مقاطع غنائية ساخرة من النظام وينشرونها على الفايسبوك ويوتيوب. لاقت أعمالهم رواجاً في الفترة الأخيرة بسبب الأسلوب الساخر في تناول القضايا السياسية في مصر. في اليوم نفسه لإلقاء القبض على هؤلاء، كانت لجنة الاقتراحات والشكاوى في مجلس النواب المصري، توافق من حيث المبدأ على اقتراح مشروع قانون «بشأن مكافحة الجريمة الإلكترونية». أحيل المشروع إلى لجنة مشتركة تتألف من لجنتي الشؤون التشريعية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. ومن المتوقع أن يمرره البرلمان بسهولة بما أنّ غالبية النواب حالياً يتخذون موقفاً معادياً من مواقع التواصل الاجتماعي، ويرونها سبباً رئيسياً في تهديد الأمن القومي.

مقدم المقترح هو النائب تامر الشهاوي (لواء سابق) أعده في 28 مادة، وهو شبيه إلى حد كبير بقانون آخر أعدته وزارة العدل المصرية في نيسان (أبريل) 2015، ووافق عليه مجلس الوزراء وقتها وأرسله إلى رئيس الجمهورية، إلا أنه لم يصدر. ومع بداية 2016، أعدت وزارة الدفاع قانوناً آخر حمل الاسم نفسه تقريباً، لكنه احتوى على 35 مادة. وقبل كل ذلك، أنشأت وزارة الداخلية في 2002 إدارة خاصة لمكافحة جرائم الإنترنت وسمّتها «الإدارة العامة لمكافحة جرائم الإنترنت».

مشروع قانون حول «مكافحة الجريمة الإلكترونية» تصل فيه العقوبة إلى الإعدام!

وتعتبر السلطة الإنترنت أحد أخطر المهددين للأمن القومي للبلاد، وهو ما تجسد في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في افتتاح «القمة العربية العادية السادسة والعشرين» التي عقدت في نهاية آذار (مارس) 2015. قال السيسي يومها «إننا نعيش في خطر إرهابي جديد، يمثله الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة». وطالب المجتمعين بالاتفاق على وضع شروط للاستخدام الآمن للإنترنت، بهدف منع استخدامه في الأعمال الإرهابية‎، وفي نشر الفكر المتطرف. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، صدّق السيسي على انضمام مصر إلى الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي وقّع عليها أعضاء جامعة الدولة العربية في كانون الأول (ديسمبر) 2010، بالإضافة إلى قانون مكافحة الإرهاب الذي تضمن أيضاً عقوبات الاستخدامات الخاطئة للإنترنت.
مقترح عضو مجلس النواب الأخير، سيثير حتماً حالة من الجدل خلال الفترة المقبلة، بسبب بعض مواده الفضفاضة، بالإضافة إلى تشديد العقوبات لتصل إلى حدّ الإعدام! من بين مواد القانون المقترح أنه في حال رصدت «جهات التحري والضبط المختصة، قيام مواقع تبث من داخل الجمهورية أو من خارجها، بوضع أي عبارات أو أرقام أو صور أو أفلام أو أي مواد دعائية أو غيرها، من شأنها تهديد الأمن القومي، فيمكنها أن تطلب من جهات التحقيق الإذن بحجب الموقع أو المواقع محل البث، أو حجب بعض روابطها أو محتواها»، وتقوم جهة التحقيق بعرض طلب الإذن على محكمة الجنايات، إحدى دوائر المحاكم المصرية، خلال أربع وعشرين ساعة، وتصدر المحكمة قرارها في الطلب في نفس يوم عرضه عليها، إما بالقبول أو بالرفض. وبناءً على تلك المادة، وضعت مادة أخرى تقضي بـ«الحبس ثلاث سنوات وغرامة لا تتجاوز مليونَي جنيه (حوالى 236 ألف دولار)، لكل مزود خدمة امتنع عن تنفيذ قرار محكمة الجنايات بحجب أحد المواقع أو الروابط. وإذا ترتب على الامتناع عن التنفيذ وفاة شخص أو أكثر أو الإضرار بالأمن القومي، تكون العقوبة السجن المؤبد أو الإعدام، وغرامة لا تتجاوز 20 مليون جنيه (حوالى مليونين و350 ألف دولار)».
أضف إلى ذلك مواد أخرى تتناول عقوبة لكل من أتلف أو عطّل البرامج أو البيانات أو المعلومات المخزنة على أي نظام معلوماتي، وكل من أدخل متعمداً إلى شبكة معلوماتية ما من شأنه إيقافها عن العمل أو تعطيلها أو التنصت عليها، وكذلك كل من أحرز أو صنع أو أنتج أو استورد أو صدر أو تداول أي أدوات أو برامج مصممة أو مبرمجة بغرض استخدامها في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب أي جريمة أو إخفاء آثار أو أدلة.
وإن كانت تلك بالفعل جرائم يجب أن تحاربها الحكومات، غير أنه على أرض الواقع يتم استخدام تلك القوانين بهدف التنكيل بالمعارضين السياسيين، وخصوصاً أنّه لا ضمانات حقيقية للالتزام فعلاً بما ينص عليه القانون، ولتحول الأمر أداةً جديدةً من أدوات السلطة لقمع معارضيها، وانتهاك خصوصيتهم.