استضاف «مهرجان الربيع» مساء الأحد الماضي «مركز الكاثاكالي» في كيرالا الذي أمتع الجمهور بتجربة امتدت لأكثر من ساعتين تم فيهما تشارك أهم طقوس المسرح التقليدي الهندي. قبل عرض ملحمة الـ «ماهابهاراتا»، جعلت الفرقة جلسات التزيين أو طلاء الوجه التي تسبق العرض مفتوحة أمام الجمهور، ثم عرض مدير المركز سوشيندران أبرز الإيماءات الحركية الخاصة بالكاثاكالي.

يلعب تزيين الوجه دوراً أساسياً في تحديد شخصيات العرض. الوجه المطلي باللون الأخضر هو الشخصية الخيّرة، والوجه الملون بالأحمر هو الشخصية الشريرة. الوجه الأصفر هو وجه أنثى أو كاهن، والوجه الأسود يمثل الشيطان.
لصناعة مسحوق الطلاء، يتم اعتماد مواد طبيعية تقتصر على استعمال أحجار معينة يتم دهنها بزيت جوز الهند وهي غالباً ما تكون باهظة الثمن. طلاء الوجه هذا أشبه بالطقس الذي يحضر الممثلين للتأمل والدخول في شخصياتهم: ألوان قانية تدعو الممثل للاعتزال لتقمص الشخصية التي يلعبها من ناحية ولتقمص الحكاية بمجملها من ناحية أخرى.
يعتبر الأدب الملحمي الهندي أحد أهم مصادر الكاثاكالي الذي يستمد معظم مواده وشخصياته من ملحمتي الـ «ماهابهاراتا» و«الرمايانا». تعود أصول المسرح الهندي إلى القرن الثاني ميلادياً حين برزت أقدم المسرحيات السنسكريتية «آشفاغوزا»، تبعتها في القرن الثالث 13 مسرحية للكاهن البرهماني «بهازا».
ازدهر مسرح الكاثاكالي في القرنين السادس عشر والسابع عشر وهو «مسرح راقص يبلغ بلغته البصرية أقصى حدود الرمزية». يعتمد في مبادئه وقواعده على نصوص الـ «ناتيا شاسترا» Natya Shastra التي ألفها الحكيم بهاراتا ويفسر فيها فنون الأداء في 36 فصلاً.
يعتبر الكاثاكالي بشكل أو بآخر امتداداً للمسرح السنسكريتي. الأخير يستمد أيضاً حكاياه وشخصياته من الأدب الملحمي الهندي. بالإضافة إلى طابعه الروحاني واعتماده على استخراج الحكم من حكاياه، يعد الكاثاكالي ــ وفق سوشيندران ــ أحد الأشكال الفنية التقليدية في كيرالا. استُخدم كوسيلة ترفيه للعائلة المالكة، مما يفسّر وجود الأزياء الأنيقة والملوّنة والباهظة. يروي سوشيندران، مدير «مركر الكاثاكالي» في كيرالا أن هذا النوع الفني هو شامل، فيه التزيين والرقص والموسيقى والتمثيل والغناء، وهو مبني على الإرتجال. لذا، يتطلب جهوداً كبيرة كي يصبح الممثل جاهزاً للصعود على الخشبة. يتطلب الأمر ست سنوات من الدراسة. تبدأ الدروس اليومية الساعة الثالثة فجراً طوال مدة الدراسة. يضاف الى تلك المرحلة، ست سنوات أخرى لاكتساب الخبرات: من يدخل مسرح الكاثاكالي، لا يخرج منه اذ يكرّس الممثل أو الموسيقي كامل حياته لهذا النمط المسرحي التقليدي ولا يستطيع أن يمارس كممثل على سبيل المثال أي عمل مسرحي آخر. بالنسبة إلى سوشيندران، العمل في مسرح الكاثاكالي يتطلب نمط حياة يبتعد عن الماديات ويقترب أكثر من كل ما هو روحاني وطقسي. منذ 21 عاماً، يقدم مركز كيرالا عروضاً يومية على مدار السنة أي ٣٦٥ عرضاً من دون عطل أو فرص. وقد تصل مدة كل عرض إلى ثماني ساعات وأكثر. وليس العرض الذي قدمته الفرقة في مسرح «دوار الشمس» إلا نموذجاً مصغّراً من عمل الـ «ماهابهاراتا» الذي قد يمتد لـ١٠ ساعات حيث تتمدد الحكاية ويتكاثر عدد الشخصيات.

يستمد معظم مواده وشخصياته من ملحمتي الـ «ماهابهاراتا» و«الرمايانا»

يبلغ عدد أبيات الـ «ماهابهاراتا» سبعة أضعاف الإلياذة والأوديسة مجتمعتين، وهي مقسمة لـ١٨ جزءاً ينقل كل منها تفاصيل الصراع الذي ضمّ مجموعتين من أبناء الأعمام: مجموعة الكورافا التي تحوي في سلالتها مئة وريث ووريث، ومجموعة الباندافا التي تجمع خمسة إخوة وجميعهم متزوج من الأميرة دروبادي.
حظي جمهور «مهرجان الربيع» بمتابعة حكاية دروبادي التي حجزها دوساسنا، شقيق ملك الكوارفا، بعدما خسرها أمراء الباندافا إثر لعبة الزهر القدرية. يقوم دوساسنا بإذلال دروبادي زوجة الأمراء الخمسة بشتى الطرق: يشدها من شعرها، يفرض عليها القيام بالأعمال الوضيعة، يمزق ثوب الساري الخاص بها. حين تضرعت دروبادي لكريشنا- وهو تقمُّص للإله فيشنو- يحوّل هذا الأخير قماش الساري إلى قماش غير متناهي الطول حتى غاب دوساسنا عن الوعي وهو يكمل تمزيق الساري. بعد تلك الحادثة، تقسم دروبادي أن تترك شعرها «منفوشاً»، كما تركه دوساسنا حتى يأتي زوجها ويمشط شعرها بيديه ويمسده بدم دوساسنا. بعد القيام بمعركة كوروكشيترا، يسترد أمراء الباندافا مملكتهم من أبناء أعمامهم الكورافا.
إثر ذلك، يدعو بهيما أحد أزواج دروبادي دوساسنا إلى مبارزة تنتهي بموت هذا الأخير. حينئذٍ، ينزع بهيما قلب دوساسنا بيديه الاثنتين ويمسد شعر زوجته دروبادي. بعد تحقيق قسم زوجته، يعترف بهيما أمام كريشنا ويسر له أنه قتل الكثير من أبناء أعمامه الكورافا. يقوم الإله كريشنا بمواساة الملك قائلاً إنّ أفعاله قد تمت وفقاً لمشيئة الله.
تفصل بين مشاهد العرض قطعة قماشية أو ما يعرف بالتيراسيلا thiraseela تضم كافة ألوان الشخصيات وتعلن عن قدوم شخصية جديدة على المشهد، وكل شخصية تتفاعل بطريقتها الخاصة مع التيراسيلا.
تميّز العرض بعزف موسيقي ايقاعي مستمر ضم أربعة موسيقيين ومنشد. اهتم الممثلون/ الراقصون بأصغر التفاصيل الإيمائية الحركية، وقدموا للجمهور اللبناني مفردات حركية غير مألوفة تركز على حركات مينيمالية في الأصابع أو العينين أو الفم والخدود ولكل ايماءة تفسيرُها الراسخ.
تسعى فرقة الكاثاكالي في كيرالا إلى نقل الإرث الثقافي الخاص بفنون الأداء إلى الأجيال القادمة أكان في الهند أو خارجها. ليس الأمر بتلك السهولة، خاصةً مع الشباب في الهند! يختم سوشيندران.
«مهرجان الربيع»: حتى 26 أيار (مايو) ـــ «دوار الشمس» (الطيونة ــ 01/391290)، Station (جسر الواطي ــ 71/684218)، و«مركز بيروت للفن» (جسر الواطي ـ 01/397018)