باريس | طُرح أخيراً في الصالات السينمائية الفرنسية فيلم «ديغراديه» للأخوين الفلسطينيين محمد وأحمد أبو ناصر (عرب وطرزان) الذي قوبل باحتفاء مع مخرجَيه الهاربين من جحيم المدينة المحاصرة إلى مدينة الأنوار. استطاع الشريط أن يقتحم شباك التذاكر الفرنسي، كيف لا وغزة التي سمعوا عنها في نشرات الأخبار هي أمامهم الآن في هذا الفيلم؟

تدور أحداث العمل (85 دقيقة ــــ 2015) داخل صالون تجميل للسيدات، تجتمع فيه 12 امرأة وطفلة يجدن أنفسهن محاصرات داخل الصالون عندما يندلع اشتباك بين مسلحين من فصائل فلسطينية. نساء الصالون هن أيضاً محاصرات من مجتمع ذكوري يفرض سلطته وقمعه، ويشكل الرجل فيه محور حياة قاسية لا مفر منها. المرأة الروسية صاحبة الصالون تعمل لتعيل زوجها الذي أحبته وعادت معه إلى غزة. مساعِدتها فتاة تربطها علاقة حب مع أحد المسلحين الذي يظل يصفها بـ «الدابة» وتتعرض لضغوط أهلها للزواج من شخص آخر. أما زبونات الصالون، فامرأة تعاني من أزمة التقدم في العمر، تُحضر نفسها لموعد غرامي مع شخص ينتظرها في مكتبه، وأخرى مطلقة من زوجها الذي يقضي جل وقته في المسجد غير مكترث بأولاده، وامرأة متزوجة من «مصاب حرب» مدمن على المخدرات ويعنف زوجته، وفتاة تستعد للزواج تأتي إلى الصالون بصحبة أمها وحماتها التي تريد أن تمارس سلطتها على «الدخيلة» الجديدة في العائلة، وامرأة أخرى هي الوحيدة المحجبة داخل الصالون متزوجة من رجل متدين يعتمد على زوجته حتى لشراء السجائر، وامرأة أخرى حامل تنتظر أن تضع مولوداً مجهول المصير ترافقها أختها التي تنتظر أن تصبح عروساً. حتى الطفلة الوحيدة ابنة صاحبة الصالون ليست خارج منظومة القمع تلك؛ فهي تطلب من أمها الخروج للعب، لكن اللعب ممنوع للصبايا، فهنالك أولاد الحارة.
يستعرض مخرجا الفيلم قضايا اجتماعية عدة من خلال سيناريو بسيط تشاركا في كتابته. أرادا الحديث عن «الحياة في غزة»، ولكن أين هي غزة؟ معظم الأحداث التي تجري داخل الصالون يمكن أن تكون في أي بلد عربي آخر، اذا استثنينا موضوع انقطاع الكهرباء وبعض الأمور الثانوية، ولا نسمع كلمة فلسطين أو كلمة الاحتلال ولو لمرة واحدة على الأقل طوال الفيلم، كأن غزة هي جزيرة في الكاريبي!

مبالغة غير مبررة في المؤثرات الصوتية للاشتباك المسلح

نفهم أن المخرجيَن خرجا من سجن غزة الكبير، نفهم رغبتهما في الحديث عن ضنك وقسوة الحياة داخل المدينة المحاصرة، نفهم معاناتهما من سلطة «حماس»، وخيبتهما من الفصائل الفلسطينية ونشاركهما الخيبة نفسها، كما نفهم ضرورة النقد ونحن في أمس الحاجة إليه، ولكن هل هذا يعني التركيز على «حماس» ونسيان الاحتلال الإسرائيلي، هل هذه هفوة؟ أم أنهما أرادا التركيز على الوضع الداخلي فقط؟ وإذا افترضنا أنهما أرادا ذلك فعلاً، فهل هذا مبرر موضوعي لتجنب ذكر الاحتلال باسمه؟ تلك الهفوة جعلتهما يلامسان أطراف الجرح فقط، من دون الاقتراب إلى قلبه.
لا شك في أنّ صناعة أي فيلم هي عملية معقدة وصعبة؛ تتطلب الحد الأدنى من الوعي الفني والفكري والسياسي كي لا يقع العمل في فخ الثرثرة والضحالة من جهة، وسوء القراءة والتقدير من جهة أخرى. صحيح أنّ هنالك أفلاماً كثيرة سطحية وممتعة في آن معاً، هذا يحصل فعلاً، ولكن هل يمكن أن نعتمد تلك المعادلة في فيلم يتخذ غزة موضوعاً له.
قد يُنظر إلى فيلم «ديغراديه» كعمل يعزز الصورة النمطية عن غزة في العالم، ويتماشى مع تكريس عزلها عن فلسطين. قد يروق الفيلم للاحتلال كونه يتحدث عن تخلف غزة وتطرفها الإسلامي من دون التطرق إليه (وهذه ليست مزحة). قد يكون الخطاب ساذجاً، والشخصيات «كيتشات» تحاكي الصورة النمطية لدى أهل القطاع المحاصر. أصحاب هذه النظرة تجاه الفيلم هم على الأغلب فلسطينيون أو أشخاص تربطهم علاقة بالموضوع الفلسطيني. أما المشاهد الأجنبي البعيد عن الموضوع الفلسطيني، فقد يجد في الفيلم مؤشراً إلى «تخلف وتطرف القطاع» قد يشعر بقليل من الأسى على حال المرأة المسحوقة هناك، وقد يجد في الفيلم دعماً لخطاب الاحتلال الذي ما فتئ يدمر المدينة بحجة «محاربة التطرف والإرهاب».
عدا ذلك، جاء الفيلم مسلياً، ويعود الفضل إلى الممثلة منال عوض التي أضفت جواً كوميدياً جنَّب المشاهد الوقوع في الملل. كما استعان مخرجا الفيلم بالممثلة هيام عباس التي ساعدت أيضاً في إضفاء حالة من التوتر طوال الفيلم. وجاءت الصورة وحركة الكاميرا موفقتين، بينما كانت هنالك مبالغة غير مبررة في المؤثرات الصوتية للاشتباك المسلح، إذ سيطرت تقريباً على آخر ربع ساعة في الفيلم بأصوات كثيفة لمدافع رشاشة وانفجارات قد تتلاءم مع ساحة حرب طاحنة لا كاشتباك بين مجموعة مسلحين وعناصر شرطة.
عرب وطرزان تعاملا في فيلمهما مع النتيجة كقضية رئيسية، حيث تغدو محصلة هذا الجحيم هي الموضوع، وهنا ثغرة الفيلم الأساسية. رسما لوحة معبِّرة في جانب منها، لكنّ جزءاً كبيراً ظلَّ ناقصاً.