عام مضى على ولادة جمعية «حواس» الثقافية التي خرجت من إطار «علم وخبر» التقليدي، لتكرّس صورة مختلفة عن العمل على تنمية الأفراد والجماعات، بهدف خلق حالة ثقافية فكرية تتخطى السائد، وفي بعض الأحيان تكسر نمط «صناعة» الأفراد المعتاد. تستعد الجمعية اليوم لتدشين مركزها في قلب الضاحية الجنوبية، لتكون ملتقى ثقافياً حضارياً جامعاً. في حصاد «حواس»، يسرد رئيسها عبد الحليم حمود لـ «الأخبار» تفاصيل هذه التجربة التي ما زالت في طور التبلور. بدأت كمجموعة صغيرة وراحت تكبر وتتسع تدريجاً. الميزة في هؤلاء المنضمين أو «الحواسيين»، أنهم عاديون «لم يأتوا من مقاهي شارع الحمرا»، كما يردف حمود. عملت «حواس»، على بلورة وكشف مواهبهم الفنية والثقافية، التي يعرفون جزءاً منها، وربما يجهلون الكثير عنها، أكان في الشعر أو التصوير الفوتوغرافي، أو الرسم والأدب. إنّها «تنمية ثقافية» حيث تستنطق «حواس» الطاقات الإبداعية عند الفرد التي قد تفوق توقعه أحياناً. تكتمل نشوة فرحه عندما ينشر عمله في كتاب أو يرى لوحته معلّقة على حائط معرض. وفيما تقفل المقاهي ومعها المسارح والمكتبات الثقافية، والى جانبها الإنتاجات والملاحق الثقافية في بيروت، تسير «حواس» اليوم عكس السير و«بنجاح» كتقييم شخصي من الكاريكاتوريست اللبناني. تقدم «إنتاجاً إنسانياً إبداعياً عاماً»، ما زال في خضم تشكيل المشهد الإنساني الثقافي، ويسعى الى ضمّ كل الشرائح، مع بحث دؤوب عن «الآخر» بمخاطبة العقل الإنساني العام بكليّاته، والتأكيد على القضية الأساس: فلسطين والأرض والتحرير، خصوصاً اليوم مع «الظلام القادم الى الشرق»، المتمثل في «داعش» وأخواتها. وهنا، تكمن هذه المقاومة الفكرية والثقافية، «فمن ينظر من الشرفة الى هذا الواقع من دون أن يحرّك ساكناً، فهو ليس بمثقف» يردف مؤسس «حواس».

تبتعد «حواس» عن «الصناعة» والتنمية النمطية للأفراد، لتعيد بلورة علاقة الفرد بمحيطه وخلق «وعي مقصود»، على حد تعبير حمود. لعلّ العائق الذي يتصدى لهذه السيرورة، هو العقلية الذكورية والبطريركية التي تقف سداً منيعاً أمام أي تطور. تتخذ الجمعية الثقافية من مبدأ «حرية الإنسان» اللواء الأبرز لنهجها والمنطق الذي تسير به. هذا المبدأ يأتي ليحارب العقلية الذكورية وسطوتها على الأفراد، فتتسلسل من الجد الى الأب فالابن، لتتجذّر سطوتها ورجعيتها.

تهدف أنشطة الجمعية
إلى استخدام العقل
النقدي والتفكيكي

تجربة «حواس» خلال عام، أفرزت جدلاً، وأسئلة نقدية حول ما قدّمته، لا سيما في الجزء المتعلق ببث الأفكار التي تسبح في بيئة لم تتصالح معها بعد، أو الى جدواها. الى الجهة التي تنظر بعين ناقدة، يتوجه الفنان اللبناني، قائلاً: «انظروا الى فكرنا وراقبوا أداءنا»، من خلال أنشطة عدة أقيمت لصالح جهات قد تكون متعارضة، لكن يجمعها على سبيل المثال التعرّض للقمع، أو كمّ الأفواه كما حصل مع «الأخبار» و«الميادين» و«المنار»، وتقديم التحية الى السيدة فيروز. يجمع كل هؤلاء «الموقف الأخلاقي المبدئي». والى الذين يخشون بث أفكار فلسفية ربما وأسئلة وجودية، تعمل «حواس» على تظهيرها وتمظهرها، يؤكد حمود أنّ الجمعية لا تؤسس لفكر جديد، ولا تريد ذلك بل تذهب الى البديهة، وتعيد تسمية الأشياء بأسمائها، بأن الإنسان الذي أتى الى هذه الدنيا، لم يولد ليكون «أداة متحركة عن بعد» لأنّ «هناك من أفترض أنه قاصر. فلنقدم ما نعتقد، وما نراه حقيقة مع افتراض أننا سنتلقى بعض السهام». وبعيداً عن «حواس» وأقرب الى مؤسسها الذي خبر لأكثر من 25 عاماً، مجالات متشعبة ثقافية وفنية، من الرسم الى الأدب والشعر والإعلام والغرافيكس وبعض «الشذرات الفلسفية»، عاش هو أيضاً، صراعات وعصفاً في الأفكار والمفاهيم. أفكار تجلّت في أعماله أو في ما يقدمه عبر جمعيته. لا يبتعد كثيراً خلال الحديث عن هذا الجانب عن التأكيد على أنه «ابن بيئته»، وثقافتها، وأن عمله لا يقع ضمن منظومة «الفن للفن» أو الفن بغية الاستحصال على ترف معين، بل لتشغيل العقل النقدي والتفكيكي.
«الآخر» بالنسبة الى حمود ليس بآخر، بل هو جزء منه بما أن الجميع يسير في القطار نفسه، والمصير يبقى واحداً. كونه متواجداً في بيئته، يسعى حمود لتقديم خطوة إضافية، من دون أن يدخل في مساجلة مع الآخر، فـ «أنا صوت من الأصوات»، مع خوض أكثر في الروايات التاريخية (بعضها مدسوس). يستشهد هنا بالفتوى الدينية التي تجيز إعدام المرتّد ليفتح من خلالها نقاشاً عقلانياً. يبدأ بنقاش حول الاختلاف في الرأي الذي قد يؤدي الى هذا المصير الأسود، ويسأل: كيف لعاقل أن يرضى بأن يكون الله الخالق يقبل بأن يقتل من يعارضه في الرأي؟ يفهم حمود صاحب أي سلطة من ضمنهم رجال الدين، كمبشّرين وأصحاب حق في الدعوة، لكن سلطتهم تتعطّل عندما تتحول الى أبوية تمنع حق الاعتراض والنقاش. لحظة ــ يصفها حمود ـ بأنّها تدق آخر مسمار في نعش الفكر والعقيدة التي أتى يبشّر من خلالها. ينتقل هنا إلى دخول «داعش» إلى المشهد اليوم، بغية النظر اليها من عين مختلفة وكيف «أن وجود هذه الجماعات الإرهابية، ساعد في بلورة الأفكار وتنظيف فكرنا، وتبرئة أنفسنا من تهمة أن نكون وحوشاً، فنظمنا احتفالاً بمولد السيد المسيح على سبيل المثال، أمر لم يكن وارداً قبل ذلك». لا يخشى حمود أي تصنيف قد يطاله، لأنه يعتبر أن الاختلاف معه يأتي مع مصبات الأنهار وليس الينابيع. يقول لمنتقديه و«مكفّريه»: «أنتم جزء من دراسة عندي، أنتم ضحايا المشهد، خلفيتي النفسية والاجتماعية تجعلني أفهمكم، وأفهم منطلقاتكم».