كالعصفور يبحث عن حديقة له؟! في هذه الصحراء الممتدة عميقاً في النفس القومية تحت العقال. هذا هو حال أشعب وجحا وأبي النواس والجاحظ والمنفلوطي وغيرهم في كل أيام العرب والإسلام وصولاً إلى «قهوجي صور»


مثل هؤلاء لا يقرأون الواقع

لا يقرؤون الحياة

لا يقرؤون الناس

لا يقرؤون التاريخ.. لا يقرؤون شيئاً منه

بل يرونه كما هو «عارياً» تماماً حتى من ورقة التوت تحت العقال..

غازي يزيح هذا العقال ويدخل في الجمجمة ثم يبدأ بالنقر على التلافيف الأكثر انكشافاً لما يمكن أن يسمى «الدماغ العربي».

هو في قلب هذا الدماغ.. يسير حاملاً أسئلته البريئة!

ويعرف أنه في طريقه للاتهام بالخيانة وبخروجه عن القافلة وعن رحلة الشتاء والصيف؟!

وهو يعرف أكثر أنه سيصعب على هذا النخاع أن يقدم اقتراحاً واحداً للإجابة حتى عن أبسط أسئلته..

بل هو سيواجه الاتهام الذي لا راد لقضائه بصدر مفتوح

وسيجلس في قفص الاتهام بقية قدرته على الحياة والتفكير!

ــــ كيف ابتدأ الكذب في تاريخنا؟!

ــــ من أين لنا بكل هذه الشعارات التي نحارب بها العالم

ــــ أين الإنجاز في حياتنا الماضية بعيداً عن الكلام وحضارة الإنشاء المستمر إلى يوم الدين؟!

هكذا يفكر غازي

ــــ يدخل عصفوره في أروقة حكايا التاريخ مديراً ظهره للبطولات التي تكاد تمزق الصحف لكثرة حضورها وضغط شعرائها!

ويستسلم لانتصار الكذب في الكتب وفي وسائل الاعلام اليوم.

ونحن هل سنكون حديقة جديدة بعصفوره نحن نقرأ عن الثواب والعقاب وهو يراه فينا.

نقرأ عن الجنة والنار وهو يراهما فينا.

نقرأ عن الصحيح والمسند والضعيف السند وهو يراه تحت العقال عارياً وحافلاً أسماء تابعين وصحابة انهالت عليهم القداسة من حيث يدرون أو لا يدرون.

ويرانا مصلوبين منذ الأزل العربي على صليب الاعراب والنحو وسوق عكاظ بني قريظة وأمة قريش الذي اكتظ بالشاشات الملونة ونشرات الفن والطقس والأخبار



يجهد أن يجد محطة لعصفوره فينا!

ـــ هل يسخر غازي من التاريخ؟!

من الأمس؟!

من اليوم؟ أم من الغد؟!

أم يسخر منا حين يشير إلى تناقضاتنا الصغيرة!

ونحن لشدة حقيقتها نراها ضخمة وغير محتملة، بل هي في العمق هي فاضحة وجارحة وبأس حضورها عوّدنا على العمى..

قال شاعر:

محتاجون لكي نحيا

إلى أقل بكثير

من هذا الموت الذي يتدفق من السقوف والآرائك والمصابيح

دون أن يتجرأ أحد ويقول

خافوا.. وخافوا

هذا الذي ترعون يرقته في أحشائكم

ما هو... إلا

جنين موت...

ونحن؟!

قال الشاعر:

«موتى يرثون حقائب موتى

موتى يسعون إلى جبانة موتى

موتى من ذرية... موتى

هذا ما أبصره

أجداد موتى

يبكون على أحفاد موتى»

ــــ ويقول غازي لنا في سره /نقلاً عن الشاعر

«ناموا الآن إذن

ناموا كي أحلم عنكم

ناموا

كي أحلمكم

موتى..»

في معاني كلمات غازي قهوجي، تحس أنّك في مصيدة الحياة، تمتحنك عيون حروفه لشدة صدقها. عبارة متهمة بالصدق دائماً تحت قلمه. تعنيه الحقيقة قبل أن تعنيه العبارة لا يعرف كيف يرانا فقط، بل يعرف كيف يحرجنا بعصفوره أمام مستقبل الأمة... المشرق الحالك المتلألئ السواد

شكراً غازي

لأنك كتبت عن ما تسنى لك من رحلة عصفورك الدائم الطيران عن كل شيء وعن أي شيء... ونبضك باقٍ كحبرك وما زلنا ترانا.. عن الراقصة، عن اللصوص، عن الجباة، والمؤرخين... عن الإعلام والعروش والمقابر.. عن الجنرالات يقصفون الشعب بالبيان واللغة عن أبطال الحاضر.. أبطال الزمن المتهم بالجمال..

أبطال الماضي.. عن السجون والأكاليل.. عن السكارى

عن الشارع.. عن البيت المفتوح على أسراره

عن شواربنا التي نغطي بها الكرامة المستباحة

عن شكل حياتنا الذي ننتظر كمن ينتظر المستحيل

عن سكنانا في الماضي واسترخائنا في بعض عصبياته تحت العقال

عن قوتنا في حضن الأرض التي ازدادت تقديساً بثرواتها الكامنة تحت العقال أيضاً..

عنه قبلتنا في الاتصال مع العبادة

وعن قبلتنا ونحن نمسك أطراف الثوب بفمنا لنمارس طقوس العبادة وشهوة الجنة..

عن الفنان والسياسي والحزب الواحد الأحد.. والأحزاب التي تغطي بالسياسة سماء الطوائف والأوطان الصغيرة في البلد الأصغر..

عن العروبة.. عن فلسطين.. عن لبنان.. عن بلادي الكثيرة وكنت تراني في كل هؤلاء.. لأنهم يختصرونني

لأنهم... (أنا)

كتبتني وكنت تراني بمساحة لا تنتهي مسافاتها وتتمنى أن يتسع الزمن لأكثر من حياة لنا، حتى تعطينا استحقاق انتقاء حياة واحدة نستطيع أن نحياها، وحتى نتمكن من جدارة المساحة الخضراء التي يبحث عنها عصفورك المحرج! في بلادي

كيف لعصفورك أن يطير فوق ركام البلاد وركام البشر؟

وكيف لك أن تتحمل التنقل فوق تلك الحمم المتطايرة من المواطن والوطن وقد تحولت إلى براكين تحمل أعلاماً وتنفجر رافضة كل ذلك الانتماء للتاريخ والجغرافيا وقد تقاسمتهما الأديان والطوائف والأحزاب والقوى المخفية؟!!

لا حول لعصفورك أمام أحقادنا وقد استحكمت العقول!

ولا قوة للتغريد أمام تراكم الأسلحة والعمليات الحربية تحت بصر الأقمار المتجسسة

وهل ستطير في الأنفاق؟! أم هل ستجد لك مساحة في سمائنا المتخمة بالقصف وكاميرات المراقبة؟!

أين ستطير يا غازي عندنا ونحن نطلق النار على العقل..

ونطلق العقل إلى الهشيم..

في بلادي تم اختراع الآخرة. فنحن اخترعنا جهنم وبئس المصير.

ولم يعد في بلادي مكان للدهشة!

وكل شيء قابل للاحتمال بالحدوث.

وكل شيء غير قابل للاحتمال، حتى تعودنا أن نرى هوية البلد كورقة نعوة محمولة في جيوبنا إلى أول حاجز أو إلى أول أجل.

ونحن أمة ما زالت وستبقى ترحب باللصوص وتدلهم في لياليها على كنوزها بل تساعدهم في اصطيادنا راجية أن يتم ذلك بهدوء حتى لا نوقظ من سنجعل من أنفسنا رجالاً أمامهم في الصباح

غازي

شكراً لوجودك الجميل القاسي بيننا

شكراً لكل خفقة طيران طرتها فينا

شكراً لتغريدك الذي نصر على سماعه

في كل تلك القعقعة..

وكل الشكر

لأنك ما زلت تؤذن في من يموت

حي على الحياة

*ممثل سوري

* الاقتباسات من الشاعر السوري نزيه أبو عفش