ما نشهده حتى الآن، ليس إلا محاولات مبعثرة وخجولة لاستدراج لبنان، ثقافيّاً على وجه التحديد، إلى الفخ القاتل. وما يصحّ على لبنان يصحّ طبعاً، بنسب وأشكال مختلفة، على دول عربيّة شقيقة، مغرباً ومشرقاً.


لكن لنبقَ في وطن العسل والبخور: منظّم حفلات يدعو في كلّ مناسبة ـــ باسم «الحريّة» والانفتاح طبعاً ـــ إلى استضافة فنّانين عالميّين معروفين بتعاطفهم مع إسرائيل، وبتبشيرهم بالفكرة الصهيونيّة. جمعيّة دفاع عن الحريّات الثقافيّة والصحافيّة، تدرج «إسرائيل» على قائمة الدول العربيّة التي يأتي منها المرشحون إلى جائزتها (بحجّة إشراك أهلنا خلف الخط الأخضر طبعاً). كاتب بنى مجده على القضيّة الفلسطينيّة، عندما تُرجمت روايته إلى الإنكليزيّة، كانت حفلة التوقيع في مكتبة نيويوركيّة يملكها داعية لإسرائيل. جمعيّة ناشطة ضد الرقابة (وهو مسعى حميد كما نعرف) لا تجد حرجاً في المطالبة بفتح أسواقنا للأفلام الإسرائيليّة (بلا احتياطات وتحفظات)، كأي أفلام أخرى من العالم. محطّة تلفزيونيّة نتساءل أحياناً، وسط دهشة بعضنا ولامبالاة البعض الآخر، إن كانت تبثّ من لبنان، بسبب إصرارها المنهجي، والمتكرر، والمتعدد المستويات، على التعامل مع العدوّ الصهيوني بصفته مجرّد «دولة جوار». لكي لا نقول مرجعاً أخلاقياً وفكريّاً وسياسيّاً، ونموذجاً يُحتذى، ـــ لدى أصحاب الوعي «الانعزالي» ـــ في التقدّم و«الحضارة» وسط «صحراء الهمج المحيطين بنا» (هذا لا يمنع المحطّة المذكورة من الارتزاق على أبواب «الهمج» عينهم!).
هل نواصل؟ سينمائي من أبرز مخرجي السينما اللبنانيّة، وأكثرهم موهبة، يصوّر فيلماً في إسرائيل ينتصر فيه لـ «العربي النظيف»، وحين تسائله، ينعتك بالفاشي، ويهبّ مدافعاً عن حريّته كفنّان «لا علاقة له بالسياسة»… ثم يجد في بيروت عشرات المبدعين والمثقفين والناشطين (من الجنسين) ليوقّعوا على عريضة تضامن معه، باسم «الحريّة» دائماً! ناقد سينمائي مقتدر، يهوى التعبير عن إعجابه بالسينمائيين الإسرائيليين على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم حين يضع يده على مخرجة من فلسطين المحتلّة عام ١٩٤٨ في «كان»، يحاورها في منتهى الطبيعيّة على أساس أنّها مواطنة عاديّة في دولة عادية مثل كل الدول، اسمها… «إسرائيل». ناشر عربي في بيروت، يعرّب إحدى أخطر الروايات الصهيونيّة من دون أي مسافة نقديّة، بدعم مالي وبمقدّمة من «صهيوني عربي» معروف. وحين تفتح النقاش حول كيفيّة تقديمنا أدب العدوّ، تجد في بيروت من ينتفض على هذا «الإرهاب الفكري»، رافضاً «الوصاية الشموليّة» التي «تريد أن تختار لنا ماذا نقرأ، وتعلّمنا كيف نفكّر».
ليس القصد من مراكمة الأمثلة الواردة أعلاه، وجمعها في سياق واحد، نسج «نظريّة مؤامرة»، أو محاكمة الأفراد وتخوينهم. وربّما شكّل كل مثال على حدة، حالة محصورة يمكن فهم خلفيّاتها أو ظروفها، ومبادرة تستند إلى قناعات نبيلة، ونيّات صافية، إلخ. المشكلة أن هذه الحالات المبعثرة والمعزولة، تتضافر مع مرور الوقت لتغذّي ورماً مقلقاً آخذاً في التبلور، وتتشارك في خلق ظاهرة واضحة المعالم، ليس لها سوى اسم واحد: أنسنة القاتل أو «التطبيع الثقافي» مع العدوّ الإسرائيلي!
في الظرف السياسي الذي تعيشه المنطقة، ويشهده لبنان تحديداً، بات علينا أن نتعامل مع فخاخ التطبيع كخطر جديّ، تنبغي مواجهته بشراسة، عبر رفع حدّة الوعي الوطني، واستعادة تلك «المناعة المفقودة» من ضمن أهوال «الربيع العربي». في عهد السادات ومبارك كان كل مثقفي مصر ــ إلا قلّة أفردت «إفراد البعير المعبّد» ـــ ضدّ التطبيع وضد «سلام» «كامب دايفيد» المغشوش، وضدّ النظام الذي باع الحقوق القوميّة للعدوّ. أما اليوم، فقد انهارت الصروح، وتفتّتت المجتمعات، وتغيّرت الأولويّات الحياتيّة، وتهاوت المشاريع الوطنيّة والقوميّة، تحت وطأة هذا المسخ الذي بدأ حلماً بالتغيير وانتهى طاعوناً تكفيريّاً، وجراحاً أهليّة ومذهبيّة. لقد تراجعت إسرائيل، في زمن «الثورات المسروقة»، إلى صف العدو الثانوي، وفي بعض الحالات الفاقعة صارت، في العلن، عوناً وحليفاً! وبات من السهل على هذه الآلة الترويجيّة الضخمة، المدعومة بقوّة من مؤسسات الإنتاج والتوزيع و«التعاون الثقافي» في الغرب، أن تتغلغل في جراحنا، وتصطاد المبدعين كالذباب عبر آليات الإغراء والابتزاز والتعمية السياسيّة. في لبنان الذي طرد العدو الصهيوني، وحطّم أسطورة تفوّقه، ستحاول إسرائيل أن تدخل من انقساماتنا الأهليّة، وسذاجة أجيالنا الجديدة غير الملقّحة بما فيه الكفاية ضد الجرثومة الصهيونيّة، وانتهازيّة بعض نخبنا المتعطّش إلى السلطة والشهرة والمال. وبما أن الثقافة هي «حصان طروادة» النموذجي، فعلى الثقافة الوطنيّة أن تلتئم لتنتهر الغزاة بصوت واحد: لن تمرّوا! من دون أي تكفير أو تخوين، وبعيداً من القوالب الإيديولوجيّة المملّة التي تنفّر الجيل الجديد، علينا أن نوحّد كل اللبنانيين حول فكرة تأسيسيّة، هي أن إسرائيل عدوّ كياني ووجودي. كلا، المسألة لا علاقة لها بالحريّة، ولا بالانفتاح، أيها السادة. إسرائيل ليست وجهة نظر!