كان | بعد عامين فقط على “السعفة الذهبية” التي أحرزها التونسي الفرنسي عبد اللطيف قشيش عن رائعته “حياة أديل”، عادت السينما الفرنسية لتكتسح جوائز الدورة الثامنة والستين من “مهرجان كان السينمائي” ليل أمس. هكذا، انتزع المعلم الكبير جاك أوديار (1952) “السعفة الذهبية” عن فيلمه “ديبان”، الذي صوّر تغريبة عائلة من اللاجئين التاميل من جحيم الحرب العرقية في سريلانكا الى أتون العنف العدمي في أحياء الضواحي الباريسية.


بهذا، استطاع “مهرجان كان” أن يكفّر أخيراً عن خطاياه بحقّ أوديار، بعدما حجبت عنه السعفة، مرة أولى، عام ٢٠٠٩، حين قدم رائعته “نبي” (نال “الجائزة الكبرى” وجائزة افضل ممثل لطاهر رحيم)، ثم تعرض لإجحاف أكبر، عام ٢٠١٢، حين خرج فيلمه “عن الصدأ والعظام” بخفي حنين من حفل الجوائز، رغم اجماع رواد الكروازيت على أنه كان جديراً بالسعفة.
اكتساح السينما الفرنسية بثلاث جوائز في المجموع (بالإضافة الى السعفة الفخرية التي منحت الى الفرنسية انييس فاردا، أحد أبرز رموز “الموجة الجديدة”)، قابله إجحاف كبير لحق بالسينما الإيطالية، التي استبعدت تماماً، بالرغم من رائعتي “شباب” لباولو سورنتينو، و”أمي” لناني موريتي اللتين اعتبرتا بالاجماع مشروعي “سعفة”! وكالعادة، كل سنة، يعود السؤال الى الواجهة: ما الذي سيبقى في ذاكرة عشاق السينما من أفلام الدورة الـ ٦٨ من “مهرجان كان السينمائي”؟ هل هي خفة الروح والشباب السبعيني المتقد بحب الحياة “شباب” لباولو سورنتينو أم التراجيديا المعاصرة المشبعة بالنفس الإنساني كـ “ديبان” للفرنسي جاك أوديار؟ هل هي جسارة الخيارات الفنية والتجريبية، كما في “ماكبث” للاسترالي جوستن كورزيل أم أنّ الغلبة ستبقى للسينما الحميمة ذات المنحى الاحتماعي، التي كانت لها حصة الأسد، كمّاً ونوعاً، في الأفلام المتنافسة هذه السنة من “أمي” لناني موريتي الى “أقوى من القنابل” لجوهاكيم ترير، مروراً بـ “كرونيك” لميشال فرانكو، و”ملكي” لمايوان (جائزة أفضل ممثلة لايمانويل بيركو مناصفة مع روني مارا في فيلم “كارول” لتود هاينز)، و”أختنا الصغرى” لهيروكازو كوري إيدا؟


نال اللبناني إيلي داغر
السعفة الذهبية للفيلم القصير عن عمله «موج 98»



على مرّ السنين، فرض “مهرجان كان” نفسه بوصفه البارومتر الذي تقاس على ضوئه المواسم الخصبة والسنوات العجاف سينمائياً. من هذا المنطلق، يبدو واضحاً أنّ أفلام هذا الموسم تخيّم عليها الأجواء القاتمة، والقلق الوجودي الناجم عن تراكم الأزمات النفسية والاجتماعية، وانسداد آفاق المستقبل. ولوحظ أيضاً بروز مُلفت للقيم (والمشاكل) العائلية، وللحب بمختلف صيغه وأشكاله، “السوية” والمحظورة، الواقعية والمتخيلة، الممكنة والمستحيلة. تجمع بينها القتامة واليأس والآفاق المسدودة. هذا المنحى تعزّز عبر الجوائز التي منحتها لجنة التحكيم التي يرأسها الأخوان الأميركيان جويل وإيثن كوين سواء من خلال “سعفة” جاك أوديار، أو عبر الفيلم الفائز بثاني أهم المكافآت في “كان” (الجائزة الكبرى) “ابن شاوول”. كان الأخير فعلاً من المفاجآت الجميلة في هذه الدورة.
إذاً، السعفة الذهبية كانت لجاك أوديار عن فيلمه “ديبان”. وريث «الواقعية الجديدة» الإيطالية كان قد أنجز سبعة أفلام في المجموع، تعد كلّها محطات بارزة ومؤثرة في السينما الفرنسية والعالمية، خلال السنوات العشرين الأخيرة. بعد اشكالية الحب والإعاقة الجسدية في «عن الصدأ والعظام» الذي خطف أربع جوائز «سيزار» (٢٠١٢)، ها هو يطرق موضوعاً مغايراً في “ديبان”. اختار إسناد الأدوار الرئيسية الى ممثلين غير محترفين اختارهم من بين اللاجئين التاميل في باريس، مجازفاً بتصوير عمله هذا كاملاً باللغة السريلانكية. لكن المعلّم الفرنسي ــ كعادته ـــ لم يقدّم ميلودراما تتماشى مع موجة التعاطف الغربية (الكاذبة) مع مآسي المئات من اللاجئين والمهاجرين السريين الذي يقضون في حوادث قوارب الموت في عرض المتوسط. منذ البداية، يكشف الفيلم أنّ بطله «ديبان» يسطو على أوراق الهوية الخاصة بعائلة من المرشحين للهجرة، ماتوا في حادث قبل ستة أشهر. النظرة القاتمة التي سلطها أوديار على واقع أحياء الضواحي الفرنسية، أثار امتعاض كثيرين من النقاد الفرنسيين الحاضرين في «مهرجان كان»، ممن أزعجتهم رؤية وجه فرنسا القبيح في مرآة هذا الفيلم. أما “ابن شاوول” الذي نال الجائزة الكبرى في المهرجان، فيصوّر فيه المجري لازلو نيماس قصة إنسانية مؤثرة تدور في أتون غرف الغاز النازية. فضلاً عن حساسية الموضوع الذي يتناوله، أي المحرقة النازية التي تشكّل جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية الأوروبية، فإن النقاد أشادوا ببنيته الخارجية المحكمة. اعتمد العمل تقنية الكاميرا الإيحائية، مركزاً دائرة عدسته على وجه “شاوول”، العامل اليهودي المسخر من قبل النازيين للمشاركة في ابادة أبناء جلدته، فيما كل مشاهد التقتيل والإحراق البشعة، التي تدور من حوله، يلفها الغموض والضبابية، بسبب هذه الطريقة المبتكرة في ضبط وضوح الكاميرا. فجأة، ورغم آلاف الضحايا الذي كان شاهداً على ابادتهم، يتعلق شاوول بفتى يحاول أن يخفيه لانقاذه من غرف الغاز. ثم حين يقتل، يسرق جثته ويسعى طوال الفيلم للعثور على حاخام لأداء صلاة الموت عليه تمهيداً لدفنه. وبلغ تعلقه به الى درجة أنّه صار يتوهم انه ابنه!
سينمائي مخضرم عاد الى الكروازيت هذه السنة بعد قرابة ربع قرن من الغياب. إنّه التايواني هو هسياو سيان الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم عام 1993، عن فيلمه «سيد الدمى»، وها هو يفوز أمس بجائزة أفضل مخرج عن فيلمه «القاتل» الذي يتناول مغامرات امرأة قاتلة في ظل حكم سلالة تانغ. وفيما كانت جائزة أفضل سيناريو من نصيب المكسيكي ميشال فرانكو (1979) عن فيلمه “كرونيك”، ذهبت جائزة لجنة التحكيم لـ “جراد البحر” ليورغوس لانثيموس. قدم المخرج اليوناني هنا مرافعة ساخرة ضد العائلة ومؤسسة الزواج، باعتبارهما أشكالاً من التوتاليتارية الاجتماعية التي تسحق حرية الأفراد. وهو هنا يتصور مستقبلاً تطارد فيه الدكتاتورية الأخلاقية كل شخص يُضبط متلبساً بجُرم العزوبية، فيوضع في فندق، وتُمنح له مهلة ٤٥ يوماً ليجد شريكة حياة يتزوجها، وإلا يتم مسخه الى كائن غريب ومنفر!
جائزة الكاميرا الذهبية التي تمنح لأول عمل روائي، كانت من نصيب فيلم “أرض وظلال” للكولومبي سيزار أسيفيدو. إنّه شريط عن امرأة ترفض التخلّي عن أرض دافعت عنها طيلة حياتها، وابن عاجز عن ترك أمّه، ووالد يضطر لمواجهة أخطاء الماضي الثقيلة من أجل استعادة أحبائه. الشريط الذي يصوّر هذه العائلة التي تعيش في بيت محاط بأشجار قصب السكر، يتوغّل في علاقة أفراد هذه الاسرة الهشة وروابطها في ظلّ التطوّر الزاحف إليها تدريجاً. لبنان حقّق “انتصاراً” في هذه الدورة بعدما نال إيلي داغر (29 عاماً) المقيم حالياً في بلجيكا، السعفة الذهبية للفيلم القصير عن عمله “موج 98” (15 دقيقة). إنّه أول لبناني يشارك في المسابقة الرسمية منذ فوز مارون بغدادي (1950 ــــ 1993) بجائزة لجنة التحكيم عن فيلمه “خارج الحياة” عام 1991. “موج 98” المدعوم من صندوق “آفاق”، يروي قصة مراهق يعيش في إحدى ضواحي بيروت ويعاني في محيطه الإجتماعي. وعلى شرفة مطلّة على المدينة، يلاحظ في أحد الأيام شيئاً يشبه حيواناً ضخماً ذهبي اللون، يظهر بين الأبنية، فيجذبه ويرشده لاكتشاف جزء مميز من المدينة.