«عنبرة» عليّة الخالدي في «مسرح بابل»، تستمد قوّتها من تلك العلاقة العضوية باللحظة الراهنة. إنّها وليدة زواج سعيد بين رؤية مسرحية راهنة، وشخصية تختصر حقبة حاسمة في تاريخ بيروت ولبنان والعالم العربي. يدور العمل حول (جزء من سيرة) عنبرة سلام الخالدي (١٨٩٧ - ١٩٨٦)، الشاهدة النموذجيّة، من بيروت، على لحظة مخاض، ثم تبلور، المشروع التنويري النهضوي العربي الذي شاركت في صياغته فكراً ونضالاً. وهو المشروع نفسه الذي نعيش اليوم انحساره (انحساراً نريده ظرفيّاً، موقتاً)، ما يعطي العمل راهنيته وقوّته، فالخطاب الفنّي يجد وقعه في وجدان المتلقّي، الآن وهنا.

عند هذا الشرخ، بين نهضة الأمس وانحطاط اليوم، أسست عليّة الخالدي لعملها الذي شاركتها فيه، على مستوى الدراماتورجيا، نورا السقّاف، المخرجة السعودية ـــ البيروتية التي نفتقدها منذ فترة على خشباتنا. عليّة المتخصصة بنبش أدراج نساء العائلة، سبق أن قدّمت، مع لينا أبيض، مسرحيّة «80 درجة» (2013) من تأليف عمّتها رندة الخالدي. أما هذه المرّة، فتغرف من سيرة جدّتها، تلك العلامة المضيئة في ذاكرتنا الجماعيّة: عنبرة سلام تختزن روح بيروت، وصولاً إلى القدس التي ارتبطت بها، قبل نكبة فلسطين، من طريق الزواج بأحمد الخالدي (مذكراتها صدرت العام الماضي في بيروت عن «دار الجمل» بعنوان: «جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين»).
يبدو واضحاً الجهد المبذول في إدارة الممثلين (عبد الرحيم العوجي وفادية التنير، والدا عنبرة، لافتان. نزهة حرب طبعاً في دور البطولة. عمر الجباعي وزياد شكرون والآخرون). أما استعمال اللهجة البيروتية الذي قد يبدو للبعض نمطيّاً، فله تأثير تغريبي: لا بأس من أن يرى المشاهد بأم العين خيوط «اللعبة» المشهديّة. ويعتمد الإخراج كالعادة لدى عليّة الخالدي، أسلوباً واقعياً، يتخلله تكثيف للزمن والخلفيّة السرديّة على شاشة فيديو، وعبر لعبة الظلال والحُجُب والمستويات السينوغرافيّة. ببساطة ظاهريّة، ومن دون إطناب، نجحت المخرجة في نسج معادلتها الفنيّة، ومسرحة هذه الحقبة المفصليّة التي أنبتت أفكار التنوير وتحرر المرأة، بالتوازي مع ولادة المشروع القومي العربي في مواجهة الاستبداد التركي.
لا شكّ في أن العمل مسكون بهاجس «تثقيفي» و«تربوي» قد يطغى على فنيّته أحياناً، إذ يحشد الحوار كل ما أمكن من الأفكار التنويرية والمبادئ التقدمية، لخلق حالة تصادم مع الراهن الكالح. لكن ما هم؟ الأساسي هو أن يكتشف الجمهور، أو يعيد اكتشاف، «عنبرة» ابنة سليم سلام التي نشأت في بيت سياسة وعلم وانفتاح، في بيروت العشرينيات، في عزّ النقاش حول «تعليم البنات» وتحرير المرأة. تكوّنت على يد مدرّسة «مسيحيّة» هي جوليا طعمة التي أدارت «المقاصد الإسلاميّة». قرأت قاسم أمين، وساهمت في تأسيس جمعيّة «يقظة الفتاة العربيّة». أغرمت بالمثقف الطليعي عبد الغني العريسي أحد المناضلين العروبيين الذين شنقهم الأتراك في ساحة البرج… وخلعت حجابها («الفيشة») عام ١٩٢٧، ست سنوات بعد هدى الشعراوي في مصر. هنا تنتهي المسرحيّة عشيّة وصول الانتداب الفرنسي إلى لبنان.
«عنبرة» مسرحيّة جارحة ومفرحة في آن واحد، تذكرنا بما كدنا ننساه في المستنقع التكفيري، والمذهبي، وفي زمن الردات والانهيارات والرجعيّات المستشرية كالطاعون. تلك هي بيروت «الزهرة في غير أوانها» التي غنّاها عمر الزعني. هؤلاء هم «البيارتة»، الحضن الذي أنبتَ نهضتنا القوميّة والوطنيّة. عليّة الخالدي تدعونا إلى العودة بالساعة إلى الوراء، عسانا نفهم ماذا جرى: كيف انتقلنا من زمن «أبو علي» سلام النهضوي… إلى هذا الزمن التكفيري البائس؟

«عنبرة» عليّة الخالدي: 20:30 مساء اليوم ـ «مسرح بابل»، بيروت. للاستعلام:81/390664