بيروت تهرب إلى ماضيها، بوصفه قصيدتها الأجمل. المدينة التي كانت يوماً مختبر الحركات الفنية والفكرية الطليعية ومسرحاً لكل أشكال الجنون الخلاّق، تحتمي بالماضي كتعويذة في مواجهة زمن العصبيات واستقالة العقل، وعودة «عصر الحريم». على خشبة «بابل»، شاهدنا سيرة عنبرة سلام الخالدي (1897 ــــ 1986)، أول امرأة تخلع النقاب في محاضرة ألقتها عام 1927 في الجامعة الأميركية في بيروت، بعدما كانت هدى شعراوي تلت الفاتحة في مصر 1921، وهمت في الظهور كأول «سافرة» أمام الجموع.

عليّه الخالدي استدعت جدّتها سليلة الاسرة البيروتية المتنورة على الخشبة، لتقلّب أوراق رائدة نادت بحق المرأة في المشاركة في الفضاء العام، وتحدت أعراف مجتمعها، فعشقت وقابلت (بل قبّلت) حبيبها وجهاً لوجه، تزامناً مع بزوغ فجر أولى حركات النضال والتحرر الوطني من نير الاستعمار.
على بعد أمتار فقط من مكان عرض «عنبرة»، تحتفي «الجامعة الأميركية في بيروت» في ذكرى تأسيسها الـ150 بـ «أنصار العري». العري بوصفه حمّالاً لمنظومة مفاهيم ومبادئ ترتبط بالقيم المدنية، والمدينية، وحقوق المرأة، والتقدم والمساواة، والتنوع، والحرية والديمقراطية في حقبة مفصلية هي النصف الأول من القرن العشرين وفق عنوان المعرض الفرعي «الفنان المستنهض». أمام عاريات مصطفى فروخ، وعمر الأنسي، وجورج داود قرم المسترخيات في الزمن السعيد، يشعر الزائر بغصة: أيّ خطأ هذا الذي وقع خلال مخاض النهضة الموعودة؟ مادة الرسم العاري انقرضت في كليات الفنون العربية التي كانت ساحاتها حبلى بوعود الحرية... والمرأة تحولت حقل تجارب لفتاوى سادية عن «الوسائل الأنسب لتأديبها». المفارقة الكبرى أنّ ملصق معرض «أنصار العري» نفسه استبعد أي لوحة عري، أكان لرجل أم لامرأة، مع أنّ بيروت الثلاثينيات والأربعينيات بنسائها ورجالها، وقفت بفضول ممزوج بإعجاب أمام عارية عمر الأنسي (لوحته «في المعرض»)... اللوحة نفسها هي الأولى التي تستقبل الزائر عند دخوله «متحف روز وشاهين صليبي» الذي يحتضن الجزء الأهم (لناحية التنسيق الفني) من المعرض، إلى جانب غاليري الجامعة (بيبلوس بنك غاليري).

صرخة نسوية أطلقها مصطفى فروخ في «السجينان»

تولّت عملية التنسيق المتخصصة في تاريخ الفن وعالمة الأنثروبولوجيا كيرستن شايد التي بذلت مجهوداً جباراً في اقتفاء اللوحات المختارة والتدقيق فيها وجمع الوثائق والصحف والمواد السمعية والبصرية المرافقة للمعرض، عاونها في ذلك منسق الصالات الفنية في الجامعة أُكتافيان إشانو. عنوان المعرض غمزة إلى «رسول العري» الكاتب والأديب فؤاد حبيش مؤسس «دار المكشوف». وإذا كان التاريخ قد توقف طويلاً عند الخطاب التحديثي للنهضة لدى الصحافيين والأدباء والمفكرين والشعراء والإعلاميين في الثلاثينيات والأربعينيات، فإنّ إجحافاً ربما طال الدور الذي لعبته الفنون التصويرية في هذا الإطار. هذا ما يقوله لنا معرض «أنصار العري: الفنان المستنهض» الذي يفكك أيضاً الايديولوجيا «الاستشراقية» والمغالطات الكثيرة التي روِّجت عن المحترف الفني اللبناني والعربي ذاك الزمن.
يتّكئ المعرض على وثائق، ولوحات، ومقالات، وقصاصات صحف وكتب، وأرشيف بصري وصوتي، جمعته كيرستن بدقة من أجل تظهير دور الفنانين الذين اتخذوا من العري أداة «تثقيفية» لمجتمعهم وفق ما تقول لنا. لسوء الحظ أنّ اللبنانيين غلبوا على معظم اللوحات المعروضة، مع تعذّر استجلاب أعمال من الدول العربية الأخرى. كنعان ديب (1801 ـــ 1882)، داود قرم (1852 ــ 1930)، حبيب سرور (1860 ــ 1938)، خليل الصليبي (1870ــ 1928)، جبران خليل جبران (1883 ــ 1931)، ماري حداد (1884 ــ 1973)، يوسف الحويك (1883 ــ 1962)، محمود مختار (1891ـ 1934 ـ مصر)، محمد راسم (1896 ــ 1975 ـ الجزائر)، قيصر الجميّل (1898 ــ 1958)، جورج داود قرم (1897 ــ 1971)، مصطفى فروخ (1901 ــ 1957)، عمر الانسي (1901 ـ 1969)، صوفي حلبي (1905 ــ 1998) وسلوى روضة شقير (1916) وغيرهم كثيرون تتوزّع لوحاتهم بين صالتي العرض. الداخل إلى «متحف روز وشاهين صليبي»، يشعر كأنّه ركب آلة زمن أرجعته إلى قلب تلك الحقبة التأسيسية: تسجيل صوتي للفنان وليد صادق يتلو مذكرات مصطفى فروخ، ومعاناته في إيجاد سيقان لإكمال لوحته «السجينان»، قبل أن يتبرّع صديقه بزوجته «الأجنبية» للتعري أمام الفنان، ومانشيتات مجلة «المكشوف» داعية العري والإباحية والحبّ و«الأجساد الملتهبة»، لكن أيضاً «حق المرأة في الحب» والمشاركة في الفضاء العام، ومقتطفات من الفيلم الفرنسي الألماني رمز العري «السير تحت الشمس» (1933)، وتسجيل آخر مع مريم خيرو، أول موديل عارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون راحت تحدثنا عن ذلك الزمن، ومعاناة الفنان قيصر الجميّل لإقناعها بالتعري كي يرسمها، وأسلوب عمله المتأني والطويل خلال إنجاز لوحته. بعدما تلقنوا فن الرسم العاري في أكاديميات باريس وإيطاليا، عاد الفنانون اللبنانيون بخبراتهم ومهاراتهم وأدواتهم الجديدة، متخذين من الفنون الجميلة وسيلة للتثقيف على روح الحداثة، وبناء مواطن عصري عبر غرس قواعد سلوكية ومفاهيم اجتماعية جديدة.
في لوحته «في المعرض» (زيت على قماش ــــ 45 × 37.5 سنتم ــ 1930 ـــ مجموعة سمير أبي اللمع) التي قدمها خلال معرضه البيروتي الثاني الذي أقيم في مدرسة الصنائع عام 1932، رسم عمر الأنسي ــ أحد رواد الحداثة الفنية في المحترف اللبناني ـــ ستّ نساء وطفلاً في معرض منكبين على لوحة تظهر امرأتين عاريتين، بينما بدا رجل وامرأة يتسامران في طرف اللوحة. تركيبة الأخيرة تحفز الناظر إلى التمعن في النساء الستّ المأخوذات بالمرأتين العاريتين، بينما لا يستوقفه طويلاً صاحب الطربوش والمرأة ذات الطلة الباريسية اللذان تجمعهما دردشة جانبية بعيداً عن أي فضول إزاء اللوحة المعروضة. نظر المتلقي سيبقى معلقاً على النساء الستّ المرتديات معاطف سوداء قصيرة، ويضعن يشمكاً على رؤوسهن، زي كان شائعاً بين العائلات البيروتية الميسورة. هذه اللوحة مثلاً تقحم الفن كنوع من أنواع الوعي الذاتي عبر فعل النظر، تقول لنا كيرستن شايد. بتعليقها على باب معرض الأنسي يومها، كأننا بها تقول للزوّار إنّهم هم الذين يُنظر إليهم، لا من ينظرون، وبالتالي عليهم مراعاة السلوكيات الاجتماعية خلال معاينة اللوحات.
إدانة للنظرة الذكورية والتلصّص في لوحة عمر الأنسي «محممات دارة جلجل ــ امرؤ القيس»

احترام النساء في هذه اللوحة، ستقابله إدانة للنظرة الذكورية والتلصص في لوحة الأنسي «مستحمات دارة جلجل ــ امرؤ القيس» (زيت على قماش ـــ 80 ×64.5 سنتم ــ 1932 ــ مجموعة رائد بساتنة). وإذا كان الأنسي قارب النظرة الذكورية، فإنّ مصطفى فروخ رسم «طريقة النظر الرجعية». في لوحته «ذكرى من معرض فروخ» (حبر على ورق ــ 10 × 14 سنتم ــ 1933 ــ 1934)، نرى ثنائياً ريفياً يقف حائراً أمام لوحة امرأة عارية معروضة أمامهما. بل إنّ ظلّهما (ظلامهما؟) يمتد إلى الدرابزين الذي يفصل بينهما وبين اللوحة التي لا يصلهما نورها. لم يعن فروخ بذلك استعصاء فن العري فقط على «المجتمع الريفي» الذي تغنى به في لوحات كثيرة، أو ربط هذه المشكلة بسياق محلي، فلوحة المرأة العارية التي ينظر إليها الثنائي القروي، ليست سوى «عند الغسق» (1905) للفرنسي بول شاباس الذي تتلمذ فروخ على يده. شاباس كان قد أثار فضيحة في نيويورك، واتهم بـ«نشر الرذيلة والانحلال» عندما عرض لوحته «ضحى أيلول» في إحدى الصالات هناك عام 1913. بذلك، أراد فروخ أن يقول إنّ التوجّس إزاء هذا النوع من الفن ظاهرة عالمية، فالعري ظلّ حتى بداية القرن العشرين حصة تعليمية لطلاب أكاديميات الفنون لرسم الأعضاء البشرية من أجل تجسيد الشخوص في اللوحات الدينية أو الميثولوجيا.
تحرر المرأة وانخراطها في الفضاء العام، قاربهما فروخ الذي اشتهر بنسويته. لوحته «السجينان» (زيت على قماش ـــ 1929 ـــ أعيد نسخها بإذن من هاني فروخ) تقول لنا ذلك. نحن أمام عناصر لوحة استشراقية تحاكي عملاً شهيراً للفرنسي انغر من أجواء الحريم: امرأة (شرقية) جامدة تجلس على ديوان وبيدها مبسم النرجيلة. يتسلل إحساس للناظر بأنّها مجرد امتداد للأقمشة والأشياء التي تحوطها لولا نظرتها التي تكسر هذا الجمود. هي ترمق عصفورها القابع في قفص بلا قضبان، وتوجّه نظرها إليه. أما الشرفة، فمشرّعة... كلاهما يمتلك حريته، لكنهما لا يطيران!
لم يكتف رسّامو العري بمقاربة الشؤون والقضايا الاجتماعية. ها هم ينخرطون في النقاش المحتدم يومها في المشهد الأدبي حول الشعر القديم والجديد. ثلاثي النهضة الفنية مصطفى فروخ، وقيصر الجميّل، وعمر الأنسي، سيستدعون امرؤ القيس إلى لوحاتهم العارية من خلال تجسيد قصة عنيزة من معلقاته الشهيرة، حين لحق امرؤ القيس عنيزة وصديقتيها ليستحممن في غدير، وسرق ثيابهن، كي يطلب منهن لاحقاً الخروج لأخذها! بذلك، وضع الرسامون الثلاثة الشعر القديم في قالب «حداثي» تزامناً مع نشر رئيف خوري كتابه النقدي والتحليلي «امرؤ القيس» (1934 ـــ دار صادر) الذي نقرأ مقتطفات منه في معرض الـAUB. لا يكتفي الأخير بعرض اللوحات واستحضار المناخ السائد في تلك الفترة عبر الأغنيات والتسجيلات ومقاطع الفيديو والصحف والمجلات والمنشورات المختلفة. هو ينقض الكثير من المغالطات عن تلك الحقبة، مظهراً أنّ فنّ العري وجد هنا تزامناً مع «هناك»، وأجساده حملت هموماً وهواجس عربية، وجملة مفاهيم وأسئلة ودعوات تحديثية، حتى استشهد «جوابة» (أحد أسماء فؤاد حبيش المستعارة) عام 1930 بالكاتب والإصلاحي رشدي معلوف بأنّ «الزليطات خير مثال عن اللوحة الحديثة الناجحة».

«أنصار العري ــــ الفنان المستنهض»: حتى آب (أغسطس) المقبل ـــ «متحف روز وشاهين صليبي» وغاليري «بيبلوس بنك غاليري» (الجامعة الأميركية في بيروت) ـــ للاستعلام: 71/102142.