«من الأفضل أن تقتلوا كل السود». اللافتة التي رفعها صبي يافع، مدفوعاً بمشاعر فجّة للالتحاق بالصفوف الأمامية للتظاهرة، تبدو الجزء الممزق من صور لأزمنة مختلفة. في تظاهرات شوارع فيرغسون عام 2014 سنرى هذه اللافتة كحلم بملاقاة مصير مايكل براون الذي قتلته الشرطة الأميركية، إنها أيضاً الرثاء المستسلم لمالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ. وتصلح رغم مرارتها، لأن تكون «فاكهة غريبة» تجاور الأجساد المتدلية من شجر الجنوب قبل قرن. هذا الزمن السيال والواحد تقريباً، بالنسبة إلى حالة الأفارقة الأميركيين، برغم التغيرات الطموحة كوضع صورة أول امرأة سوداء على دولار أميركي، قبل فترة، يعفي فيلم «ماذا حدث ميس سيمون؟» (2015 ــ إنتاج «نيتفليكس»)، من طابعه التأريخي، ويجعله أشبه بأغنية أفريقية تائهة. اسم الفيلم الوثائقي الذي افتتحت عروضه في مهرجان «صندانس» عام 2015، سيكون منذ البداية سؤالاً صعباً للدخول في سيرة مليئة بالتقوسات النفسية للمغنية وعازفة البيانو الأميركية نينا سيمون (1923 ــ 2003). يرتمي السؤال بين حدثين أساسيين: هجرتها من أميركا أواخر الستينيات وعودتها إلى الغناء عام 1976، ليكمل استعادة حيوات كثيرة لسيرة ابنة كارولاينا الشمالية على وقع أسئلة مايا أنجلو (1928 ــ 2014) الخفية: «ماذا حدث ميس سيمون؟ ما الذي ألمّ بعينينك الكبيرتين اللتين تعرفان كيف تحجبان الوحدة بخفة؟ ماذا حدث لصوتك الرقيق الذي يتدفق مع إصرارك على مواجهة الحياة؟ ماذا حدث لك؟». كتبت أنجلو هذه الأسئلة عام 1970، كدعوة استفزازية إلى نينا التي كانت قد تخلت عن شهرتها مدفوعة بندوبها الشخصية وبخيانات أميركا المتتالية التي قضت على أحلام التغيير. في نهاية الستينيات حدث انهيار آخر. رمت خاتم الزواج على الطاولة مع رسالة إلى زوجها، «لم يعد لدي ما أقدّمه، آندي. لم تعد تسعفني طاقتي للحديث عن الموضوع». سافرت بعدها إلى ليبيريا حيث ستقيم هناك بدعوة من المغنية الجنوب أفريقية ميريام ماكيبا. هذا الحلم حصل أخيراً، وقد تحقق بـ «رؤية الله في أفريقيا». ستعود نينا إلى الخشبة بعد ثماني سنوات. تجلس وراء البيانو، عادلة عما قرّرت تركه إلى الأبد. يبدأ الفيلم باللحظة المربكة لدخولها إلى حفلة «مهرجان مونترو للجاز» في سويسرا، وهي تتحدث إلى الجمهور، كعادتها. هذه الانهيارات ستبدو مجرّد تفصيلات متكررة في حياتها، بالمقارنة مع ارتطامها الأول بالعنصرية التي لم يكن يسمح لها بأن تتحدث عنها في منزل العائلة. تفتت المخرجة الأميركية ليز غاربوس اللحظات الساحرة للمغنية السوداء وراء البيانو، مستحضرة وجوهها في المنزل، وعلى المسرح، وفي كواليسه، وفي النضال السياسي وفي عزلتها. «كان الجميع يظنون أنها كانت تصبح نينا سيمون حين تصعد إلى الخشبة فحسب، لكنها كانت نينا سيمون لأربع وعشرين ساعة». ما تظهره عبارة ابنتها ليزا سيمون من توصيف لصدق نينا، ليس سوى إشارة إلى لعنة كانت تتحكم بها، وهو ما سيشخصه الأطباء في سنوات حياتها اللاحقة باضطراب ثنائي القطب. وإن كانت ثمة مهمة للفيلم، فقد أنجزتها غاربوس التي حررت هذه السيرة ببراعة، فاغرة عينيها بصلابة بوجه شياطين نينا الداخلية والخارجية. تلجأ غاربوس إلى سياق زمني شبه تقليدي، كالعودة إلى الطفولة ثم البدايات، لكنها اختارت بذكاء التحولات الأبرز في حياتها. تحولات منحت للشريط (102 د) الشامل سيراً عدة: سيرة لخيبات وخسارات رموز «حركة الحقوق المدنية» الأفرو ــ أميركية (1954 ــ 1968) كالشاعر لانغستون هيوز والكاتب جيمس بالدوين والمسرحية لورين هانزبيري. وسيرة امرأة سوداء على خطى بطلات روايات توني موريسون وأليس ووكر اللتين كتبتا الوجع الأنثوي الأفرو ــ أميركي المضاعف بين سلطتي الرجلين الأبيض والأسود، إلى جانب سيرة الفقر وسيرة موسيقي طحن نظام التسويق القائم عبقريته. تركت غاربوس مساحة كبيرة لأغنيات نينا، ولمقاطع فيديو نادرة على المسرح ترافق الظروف التي ألهمت بعض أعمالها، لنعرف لم كان صوتها «يخرج تارة كالحصى وأحياناً كالقهوة بالكريمة». في الفيلم تروي معظم السيرة نينا نفسها، بتسجيلات صوتية وأخرى مصوّرة، خرجت بها غاربوس من تسجيلات لنحو 100 ساعة أبرزها الأرشيف المسجل بصوتها (25 ساعة ونصف)، حصلت عليه من ستيفن كليري الذي كتب مع نينا سيرتها الذاتية بعنوان I Put a Spell on You عام 1993. نستمع أيضاً إلى شهادات موسيقيين عملوا معها مثل صديق الدرب الطويل عازف الغيتار آل شاكمان، ومن صديقها روجر نوبي، وزوجها ومدير أعمالها آندي ستراود، ومن المناضل ديك غريغوري والناقد الفني ستانلي كروش ومديري مهرجانات ومنتجين يستعيدون قدراتها الموسيقية كما حين أدهشت مايلز دايفس بعزفها لحناً بينما كانت تغني أغنية أخرى. ولعل الاعترافات الأبرز هي تلك التي قدّمتها ابنتها المغنية ليزا سيمون عن طفولة مشتتة بين أبوين غريبي الأطوار. شهادة أتت كالبوح المتأخر بتصالحها مع تصرفات والدتها التي «تحولت إلى وحش» حين صارت ترد الضربات التي كانت تتلقاها من زوجها آندي إليها.

ما يبقى بارزاً من الطفولة، سكة القطار التي تفصل المجتمعين الأسود والأبيض في تريون في كارولاينا الشمالية. الشعور بالوحدة وانفصام الانتماء نبت وكبر على تلك الطريق التي كان عليها أن تقطعها في عمر السابعة إلى منزل معلمة البيانو الأوروبية ميس مازانوفيتش التي تبنت موهبتها وصارت تعطيها دروساً لنحو ثماني ساعات في اليوم. بعد تعلمها في معهد «جولياردز» لعام ونصف، لم يشفع لنينا قديسوها باخ وبيتهوفن وبرامز لقبولها في امتحان «معهد كورتيس» لتصبح أول عازقة بيانو كلاسيكية سوداء. رمى هذا الرفض العنصري بها في أحد البارات القذرة في أتلانتيك سيتي لتبدأ العزف، ثم الغناء مقابل 90$، أكبر مبلغ كانت قد سمعت به. كانت هذه التضحية الأكبر في حياتها وهي التي أهدتنا امرأة اسمها نينا سيمون، الاسم الذي انتقته خوفاً من علم أمها المبشرة في الكنيسة بأنها كانت تغني «موسيقى الشيطان». ومنذ مشاركتها الدهشة الأولى في «مهرجان نيوبورت للجاز» عام 1960، حيث كانت تهجس بسؤالها: «ماذا أفعل هنا؟»، سيرافقها هذا السؤال طوال حياتها. يأتينا اعترافها خلال مقابلة أواخر التسعينيات كالصاعقة «لست سعيدة على الإطلاق، كنت أتمنى فقط أن أكون عازفة كلاسيكية». لكن الأمر انقضى. ذابت تجربتها ومهاراتها في العزف الكلاسيكي، في التصنيف الأبيض السهل لكل موسيقي أسود، أي الجاز والبلوز والغوسبل.

يعيد الفيلمان
اكتشاف السيرة المركبة
للأيقونة الراحلة
كانت نينا تفضل نمط «الكلاسيك الأسود»، وفق تعبيرها. مصطلح كان سيزعج العنصريين أكثر مما كان سيزعجهم قبولها في «معهد كورتيس» في فيلاديلفيا. حين يشهد الشخص القدرة على تحقيق حلمه منذ بداية حياته، فلن يكون ذلك سوى تمرين بسيط على تلقي الخسارات، خصوصاً في الظروف التي عاشت بها نينا سيمون في تلك الفترة. إنها في النهاية امرأة وسوداء. ليز غاربوس التي أخرجت فيلماً عن مارلين مونرو، تتوقف طويلاً على هذه الحقيقة من وجهة نظر نسوية. عاشت نينا مع رجل كان يعتقد أنها لا تسير إلا بالضرب، مستغلاً موهبتها للحصول على المال. بعد هذا العمل العنيف (نتج منه نحو 40 ألبوماً)، كانت نينا تنتظر عبثاً عبارة «خذي بعض الراحة» من زوجها الذي لم يكن أكثر من رجل أعمال داهية. بعد دعوات الكاتبة المسرحية لورين هانزبيري، التي عرفت نينا إلى العمل الثوري وإلى لينين وماركس، بدت نينا كمن وجدت الحياة أخيراً. صارت من أشد المنتقدين للحرب الأميركية على فييتنام، تجاهر بالدعوى إلى القتل، وهي تقول لنا: «لو لم أكن مغنية لكنت قاتلة بالطبع». مرة طلبت من آندي أن يعلمها استخدام السلاح بعدما استشرس النظام الأميركي في قتل كل من ليس أبيض. مع «حركة الفهود السود»، آمنت بأن الطريقة الوحيدة هي الرد بالقتل، وفي لقائها الأول مع مارتن كينغ، رمته بعبارتها الصادمة: «أنا لست لاعنفية»، منتقدة نضاله المثالي. كانت نينا متطرفة حقاً، وقد وجدت في حركة النضال الأفريقية سبباً جديداً لموهبتها المتوقدة فأنجزت أغنيات «أن تكون شاباً، موهوباً وأسود»، وImages، وأربع نساء، وBacklash Blues التي كتبها لانغستون هيوز، و«لعنة الميسيسبي» التي «لم يجرؤ أي رجل أسود على قول ما كتب فيها» وفق ديك غريغوري. مقابل ذلك، يشير آندي ستراود، في حديث قديم، إلى الأذية التي ألحقها العمل السياسي بمهنتها. توقفت التلفزيونات عن استدعائها إلى المقابلات، حتى إذاعات الراديو والملاهي الليلة قاطعت أغنياتها. هل كانت نينا مضطرة إلى تلقي تلك الخسارات؟ «من المحبذ أن لا يصبح الفنان واعظاً، لكن كان علي أن أعيش مع نينا، وأن أتقبلها كما هي»، تقول نينا في واحد من وجوهها. بعد عام على إنجاز تحفة «ماذا حدث ميس سيمون؟» أشرس مرشحي «الأوسكار» العام الماضي، يزور الصالات اللبنانية ابتداءً من الخميس المقبل، فيلم جديد عن حياتها هو «نينا» الذي أنجزته سينتيا مورت. تلقى الشريط (90 د) قبل خروجه إلى الشاشة انتقادات لاختياره الممثلة زوي سالدانا لأداء دور البطولة. إذا تجاوزنا علاقة هذه الخطوة باتجاه عنصري قديم في هوليوود لاستدعاء ممثلين بيض لتأدية الأدوار الأفريقية والآسيوية واللاتينية، فإن هذا الخيار سيبدو بالنسبة إلى حالة نينا سيمون تحديداً زعيقاً نافراً بوجه تغنيها الدائم بالجمال الفيزيولوجي لأبناء الجلد الأسود. يركز العمل الروائي على العقد الأخير من حياتها. في أواخر الثمانينيات، اقتيدت إلى مستشفى للأمراض العقلية في لوس أنجلوس بعدما رفعت السلاح بوجه المحامي. الممرض الشاب كليفتون هاندرسون (ديفيد أويلو) الذي أظهر اهتماماً بالموسيقية، سيصبح منذ ذلك اللقاء مساعدها الشخصي ثم مدير أعمالها، نزولاً عند طلب نينا سيمون التي ترميه بمبلغ ألفي دولار. تأخذنا مورت إلى الوجه القاتم لنينا في منزلها الفرنسي التي قضت فيه آخر أيامها. وإذ تأخذ على عاتقها التوقف عند هذه المرحلة المضطربة، فإنها تفقد للأبعاد السيكولوجية العميقة فيها. هكذا تأتينا المشاهد المختزلة والكاريكاتورية فارغة من أي خصوصية شخصية أو موسيقية لنينا، إذ تبدو أقرب إلى سير موسيقيي الروك والبوب في القرن العشرين والقرن الحالي. نينا مدمنة للكحول، تصرخ وتكسر الأغراض طوال الوقت، ترفض الطعام وتتهرب من تناول دواء اضطراب ثنائي القطب. هذا الاضطراب الذي أهلك حركتها، كان سبباً كبيراً في تحول شخصيتها، وفي سقوط مهنتها المدوي في الثمانينيات لتجد نفسها مجدداً في البارات الباريسية المتواضعة مقابل 300 دولار في الليلة الواحدة. من خلال الفلاش باك، ينتقل الفيلم من التسعينيات إلى محطات معينة من حياتها من دون سياق مترابط أو منطقي: نينا في عمر الثانية عشرة تهدد المسؤولين عن الحفلة بالتوقف عن العزف ما لم يسمح لوالديها بالجلوس في المقاعد الأمامية، نرى اللحظات التي كانت تؤلف فيها أغنية «أن تكون شاباً موهباً وأسود». ما كان يجب أن يكون سيرة لنينا، هو أقرب إلى دراما مشتتة شحنتها مورت ببعض أعمالها التي غنتها زوي سالدانا بنفسها، إلى جانب بعض التابوهات الجذابة كالميول الجنسية المتطرفة خلال فترتها مع كليفتون، بالاستناد إلى شهادة هذا الأخير الذي باعها إلى مورت بعد وفاة نينا سيمون عام 2003.

«نينا» لسينتيا مورت: ابتداءً من الخميس المقبل 2 حزيران (يونيو) في الصالات اللبنانية.